عثمان بن جني ( ابن جني )
156
الخصائص
باب في تعارض السماع والقياس إذا تعارضا نطقت بالمسموع على ما جاء عليه ، ولم تقسه في غيره ؛ وذلك نحو قول اللّه تعالى : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [ المجادلة : 19 ] فهذا ليس بقياس ؛ لكنه لا بدّ من قبوله ؛ لأنك إنما تنطق بلغتهم ، وتحتذى في جميع ذلك أمثلتهم . ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره ؛ ألا تراك لا تقول في استقام : استقوم ، ولا في استباع : استبيع . فأمّا قولهم " استنوق الجمل " و " استتيست الشاة " و " استفيل الجمل " فكأنه أسهل من استحوذ ؛ وذلك أن استحوذ قد تقدّمه الثلاثي معتلا ؛ نحو قوله : يحوذهنّ وله حوذىّ * كما يحوذ الفئة الكمىّ " 1 " - يروى بالذال والزاي : يحوذهن ويحوزهن - فلما كان استحوذ خارجا عن معتلّ : أعنى حاذ يحوذ ، وجب إعلاله ؛ إلحاقا في الإعلال به . وكذلك باب أقام ، وأطال ، واستعاذ ، واستزاد ، مما يسكن ما قبل عينه في الأصل ؛ ألا ترى أن أصل أقام أقوم ، وأصل استعاذ استعوذ ، فلو أخلينا وهذا اللفظ لاقتضت الصورة تصحيح العين لسكون ما قبلها ؛ غير أنه لمّا كان منقولا ومخرجا من معتلّ - هو قام ، وعاذ - أجرى أيضا في الإعلال عليه . وليس كذلك " استنوق الجمل " و " استتيست الشاة " لأن هذا ليس منه فعل معتلّ ؛ ألا تراك لا تقول : ناق ولا تأس ؛ إنما الناقة والتيس اسمان لجوهر ، لم يصرّف منهما فعل معتلّ . فكان خروجهما على الصّحة أمثل منه في باب استقام واستعاذ . وكذلك استفيل .
--> ( 1 ) الرجز للعجاج في ديوانه ص 1 / 524 ، ولسان العرب ( حوز ) ، ومقاييس اللغة 2 / 115 ، 118 ، ومجمل اللغة 2 / 117 ، وتهذيب اللغة 5 / 117 ، 207 ، وجمهرة اللغة ص 530 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حوذ ) ، وتاج العروس ( حوذ ) ، ( حوز ) ، وكتاب العين 4 / 275 ، والمخصص 7 / 103 ، وجمهرة اللغة ص 1048 . الحوذ والحوز : السوق السريع ، والحوذى والحوزىّ : السائق الخفيف والبيت يصف ثورا وكلابا ، وكان أبو عبيدة يروى رجز العجاج حوذىّ ، بالذال ، والمعنى واحد ، يعنى به الثور أنه يطرد الكلاب وله طارد من نفسه يطرده من نشاطه وحدّه .