عثمان بن جني ( ابن جني )

147

الخصائص

زمان علىّ غراب غداف * فطيّره الشيب عنّى فطارا " 1 " فهذا موضع يمكن أن يذهب ذاهب فيه إلى سقوط حكم ما تعلّق به الظرف من الفعل ، ويمكن أيضا أن يستدلّ به على ثباته وبقاء حكمه . وذلك أن الظرف الذي هو ( علىّ ) متعلق بمحذوف ، وتقديره غداة ثبت علىّ أو استقر علىّ غراب ، ثم حذف الفعل وأقيم الظرف مقامه . وقوله فطيّره - كما ترى - معطوف . فأما من أثبت به حكم الفعل المحذوف فله أن يقول : إن طيّره معطوف على ثبت أو استقرّ ، وجواز العطف عليه أدلّ دليل على اعتداده وبقاء حكمه ، وأن العقد عليه ، والمعاملة في هذا ونحوه إنما هي معه ؛ ألا ترى أن العطف نظير التثنية ، ومحال أن يثنّى الشئ فيصير مع صاحبه شيئين إلا وحالهما في الثبات والاعتداد واحدة . فهذا وجه جواز الاستدلال به على بقاء حكم ما تعلّق به الظرف ، وأنه ليس أصلا متروكا ، ولا شرعا منسوخا . وأمّا جواز اعتقاد سقوط حكم ما تعلّق به الظرف من هذا البيت فلأنه قد عطف قوله " فطّيره " على قوله " علىّ " وإذا جاز عطف الفعل على الظرف قوى حكم الظرف في قيامه مقام الفعل المتعلّق هو به ، وإسقاطه حكمه وتولّيه من العمل ما كان الفعل يتولاه ، وتناوله به ما كان هو متناولا له . فهذان وجهان من الاستدلال بالشئ الواحد على الحكمين الضدّين ، وإن كان وجه الدلالة به على قوّة حكم الظرف وضعف حكم الفعل في هذا وما يجرى مجراه هو الصواب عندنا ، وعليه اعتمادنا وعقدنا . وليس هذا موضع الانتصار لما نعتقده فيه ، وإنما الغرض منه أن نرى وجه ابتداء تفرّع القول ، وكيف يأخذ بصاحبه ، ومن أين يقتاد الناظر فيه إلى أنحائه ومصارفه . ونظير هذا البيت في حديث الظرف والفعل من طريق العطف قول اللّه عزّ اسمه يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ . فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ [ الطارق : 9 ، 10 ] أفلا تراه كيف

--> ( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو للكميت في لسان العرب ( غرب ) . الغداف : الشعر الأسود الطويل . اللسان ( غدف ) .