عثمان بن جني ( ابن جني )
142
الخصائص
باب في تقاود " 1 " السماع وتقارع الانتزاع هذا الموضع كأنه أصل الخلاف الشاجر بين النحويين . وسنفرد له بابا . غير أنّا نقدم هاهنا ما كان لائقا به ، ومقدّمة للقول من بعده . وذلك على أضرب : فمنها أن يكثر الشئ فيسأل عن علّته ؛ كرفع الفاعل ، ونصب المفعول ، فيذهب قوم إلى شيء ، ويذهب آخرون إلى غيره . فقد وجب إذا تأمّل القولين واعتماد أقواهما ، ورفض صاحبه . فإن تساويا في القوّة لم ينكر اعتقادهما جميعا ؛ فقد يكون الحكم الواحد معلولا بعلّتين . وسنفرد لذلك بابا . وعلى هذا معظم قوانين العربية . وأمره واضح ، فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيه . ومنها أن يسمع الشئ ، فيستدلّ به من وجه على تصحيح شيء أو إفساد غيره ، ويستدلّ به من وجه آخر على شيء غير الأوّل . وذلك كقولك : ضربتك ، وأكرمته ، ونحو ذلك مما يتصل فيه الضمير المنصوب بالضمير قبله المرفوع . فهذا موضع يمكن أن يستدلّ به على شدّة اتصال الفعل بفاعله . ووجه الدلالة منه على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن الكاف في نحو ضربتك من الضمير المتصل ، كما أن الكاف في نحو ضربك زيد كذلك ، ونحن نرى الكاف في ضربتك لم تباشر نفس الفعل ، كما باشرته في نحو ضربك زيد ، وإنما باشرت الفاعل الذي هو التاء ، فلو لا أن الفاعل قد مزج بالفعل ، وصيغ معه ، حتى صار جزءا من جملته ، لما كانت الكاف من الضمير المتصل ، ولاعتدّت لذلك منفصلة لا متصلة . لكنهم أجروا التاء التي هي ضمير الفاعل في نحو ضربتك - وإن لم تكن من نفس حروف الفعل - مجرى نون التوكيد التي يبنى الفعل عليها ، ويضمّ إليها ، في نحو لأضربنّك . فكما أنّ الكاف في نحو هذا معتدّة من الضمير المتصل وإن لم تل نفس الفعل ، كذلك الكاف في نحو ضربتك ضمير متصل وإن
--> ( 1 ) تقاود السماع : اطراده في شيء ، وعدم اختلافه فيه ؛ كرفع الفاعل : اتفق السماع فيه . وتقارع الانتزاع : تخالفه وتغايره ، من قولهم : تقارع القوم : تضاربوا بالسيوف . والانتزاع : الاستنباط . ( نجار ) .