عثمان بن جني ( ابن جني )

133

الخصائص

كثر ذلك فيها ضعفت حركاتها وخفيت . وأما أنا فأسمعهم كثيرا إذا أرادوا المفتاح قالوا : " كليد " ؛ فإن لم تبلغ الكاف أن تكون ساكنة ، فإنّ حركتها جدّ مضعفة ، حتى إنها ليخفى حالها علىّ ، فلا أدرى أفتحة هي أم كسرة ، وقد تأملت ذلك طويلا فلم أحل منه بطائل . وحدّثنى أبو علىّ رحمه اللّه قال : دخلت " هيتا " " 1 " وأنا أريد الانحدار منها إلى بغداد ، فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل ؛ فعجبت منها وأقمنا هناك أياما ، إلى أن صلح الطريق للمسير ، فإذا أنني قد تكلمت مع القوم بها ، وأظنه قال لي : إنني لما بعدت عنهم أنسيتها . ومما نحن بسبيله مذهب يونس في إلحاقه النون الخفيفة للتوكيد في التثنية ، وجماعة النساء ، وجمعه بين ساكنين في الوصل ، نحو قوله : اضربان زيدا ، واضربنان عمرا ، وليس ذلك - وإن كان في الإدراج - بالممتنع في الحسّ ، وإن كان غيره أسوغ فيه منه ، من قبل أن الألف إذا أشبع مدّها صار ذلك كالحركة فيها ، ألا ترى إلى اطّراد نحو : شابّة ، ودابّة ، وادهامّت ، والضالّين . فإن قلت : فإن الحرف لما كان مدغما خفى ، فنبا اللسان عنه وعن الآخر بعده نبوة واحدة ، فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد ، وليست كذلك نون اضربان زيدا ، وأكرمنان جعفرا ، قيل : فالنون الساكنة أيضا حرف خفىّ فجرت لذلك نحوا من الحرف المدغم ؛ وقد قرأ نافع " محياي ومماتي " [ الأنعام : 162 ] بسكون الياء من " محياي " ، وذلك لما نحن عليه من حديث الخفاء ، والياء المتحركة إذا وقعت بعد الألف احتيج لها إلى فضل اعتماد وإبانة ، وذلك قول اللّه تعالى وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [ العنكبوت : 12 ] ولذلك يحضّ المبتدئون ، والمتلقّنون على إبانة هذه الياء لوقوعها بعد الألف ، فإذا كانت من الخفاء على ما ذكرنا وهي متحركة ازدادت خفاء بالسكون نحو محياي ، فأشبهت حينئذ الحرف المدغم . ونحو من ذلك ما يحكى عنهم من قولهم : " التقت حلقتا البطان " بإثبات الألف ساكنة في اللفظ قبل اللام ، وكأن ذلك إنما جاز هاهنا لمضارعة اللام النون ؛ ألا ترى أن في مقطع اللام

--> ( 1 ) هيت : بلد على شاطئ الفرات . اللسان ( هيت ) .