عثمان بن جني ( ابن جني )

107

الخصائص

الصويت ، وتضاءل للحسّ ؛ نحو قولك ، اح ، اص ، اث ، إف ، إخ ، إك . فإذا قلت : يحرد ، ويصبر ويسلم ، ويثرد ، ويفتح ، ويخرج ، خفى ذلك الصويت وقلّ ، وخفّ ما كان له من الجرس عند الوقوف عليه . وقد تقدّم سيبويه في هذا المعنى بما هو معلوم واضح . وسبب ذلك عندي أنك إذا وقفت عليه ولم تتطاول إلى النطق بحرف آخر من بعده تلبثت عليه ، ولم تسرع الانتقال عنه ، فقدرت بتلك اللّبثة ، على اتباع ذلك الصوت إيّاه . فأمّا إذا تأهّبت للنطق بما بعده ، وتهيّأت له ، ونشّمت فيه ، فقد حال ذلك بينك وبين الوقفة التي يتمكن فيها من إشباع ذلك الصويت ، فيستهلك إدراجك إيّاه طرفا من الصوت الذي كان الوقف يقرّه عليه ويسوغك إمدادك إياه به . ونحو من هذا ما يحكى أن رجلا من العرب بايع أن يشرب علبة لبن ولا يتنحنح ؛ فلمّا شرب بعضه كدّه الأمر ، فقال : كبش أملح . فقيل له : ما هذا ؟ تنحنحت . فقال : من تنحنح ، فلا أفلح . فنطق بالحاءات كلها سواكن غير متحرّكة ؛ ليكون ما يتبعها من ذلك الصويت عونا له على ما كدّه وتكاءده " 1 " . فإذا ثبت بذلك أن الحرف الساكن حاله في إدراجه ، مخالفة لحاله في الوقوف عليه ، ضارع ذلك الساكن المحشوّ به المتحرك ؛ لما ذكرناه من إدراجه ؛ لأن أصل الإدراج للمتحرّك إذ كانت الحركة سببا له ، وعونا عليه ؛ ألا ترى أن حركته تنتقصه ما يتبعه من ذلك الصويت ، نحو قولك صبر ، وسلم . فحركة الحرف تسلبه الصوت الذي يسعفه الوقف به ؛ كما أن تأهبك للنطق بما بعده يستهلك بعضه . فأقوى أحوال ذلك الصويت عندك أن تقف عليه ، فتقول : اص . فإن أنت أدرجته انتقصته بعضه ، فقلت : اصبر ؛ فإن أنت حركته اخترمت الصوت البتّة ، وذلك قولك صبر . فحركة ذلك الحرف تسلبه ذلك الصوت البتة ، والوقوف عليه يمكّنه فيه ، وإدراج الساكن يبقّى عليه بعضه . فعلمت بذلك مفارقة حال الساكن المحشوّ به ، لحال أوّل الحرف وآخره ، فصار الساكن المتوسّط لما ذكرنا كأنه لا ساكن ولا متحرّك ، وتلك حال تخالف حالي ما قبله وما بعده ، وهو الغرض الذي أريد منه ، وجيء به من أجله ؛ لأنه لا يبلغ حركة ما قبله ، فيجفو تتابع المتحركين ، ولا

--> ( 1 ) يقال : تكاءده الأمر : شقّ عليه .