محمد بن يزيد المبرد
402
المقتضب
وتقول : « مررت بعبد اللّه يبني داره » ، فيصير « يبني » في موضع نصب لأنّه حال ؛ كما تقول : « مررت بعبد اللّه بانيا داره » . ولكن لو قلت في هذه المسألة : « إنّ أفضلهم الضارب أخا له » ، كان جيّدا أن تصفه ب « كان » ، إذا جعلته نكرة . فإن قلت : فأجر « كان » بعد المعرفة ، وأجعلها حالا لها فإنّ ذلك قبيح ، وهو على قبحه جائز في قول الأخفش ، وإنّما قبحه أنّ الحال لما أنت فيه ، و « فعل » لما مضى ، فلا يقع في معنى الحال . ألا ترى أنّك إذا قلت : « مررت برجل يأكل » ، قلت على هذا : « مررت بزيد يأكل » ، فكان معناه : « مررت بزيد آكلا » . وإذا قلت : « أكل » ، فليس يجوز أن تخبر بها عن الحال ؛ كما تقول : « هو يأكل » ، أي هو في حال أكل . فلمّا لم يجز أن يقع وهو على معناه في موضع الحال ، امتنع في هذا الموضع . وقد أجاز قوم أن يضعوا « فعل » في موضعها ، كما تقول : « إن ضربتني ضربتك » ، والمعنى : إن تضربني أضربك . وهذا التشبيه بعيد ؛ لأنّ الحروف إذا دخلت حدثت معها معان تزيل الأفعال عن مواضعها . ألا ترى أنّك تقول : « زيد يضرب غدا » ، فإذ أدخلت « لم » قلت : « لم يضرب أمس » فبدخول « لم » صارت « يضرب » في معنى الماضي . وتأوّلوا هذه الآية من القرآن على هذا القول ، وهي قوله : أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ « 1 » . وليس الأمر عندنا كم قالوا . ولكن مخرجها - واللّه أعلم إذا قرئت كذا - الدعاء ؛ كما تقول : « لعنوا قطعت أيديهم » . وهو من اللّه إيجاب عليهم . فأما القراءة الصحيحة فإنّما هي « أو جاءوكم حصرة صدورهم » [ 2 ] . ومثل هذا من الجمل قولك : « مررت برجل أبوه منطلق » ، ولو وضعت في موضع « رجل » معرفة ، لكانت الجملة في موضع حال . فعلى هذا تجري الجمل .
--> ( 1 ) النساء : 90 . [ 2 ] ما ذهب إليه المبرد مستهجن ، إذ يؤدي إلى اعتبار قراءة « حصرت » بالتاء الممدودة ، غير صحيحة ، وهي قراءة اتّفق عليها القرّاء السبعة ، ولم يقرأ بها إلّا عاصم ، والحسن ، وقتادة ، ويعقوب ، والمهدوي ، وحفص . انظر : إتحاف الفضلاء ص 193 ؛ والإعراب للنحاس 1 / 443 ؛ والإملاء للعكبري 1 / 110 ؛ والبحر المحيط 3 / 317 ؛ وتفسير الطبري 9 / 22 : وتفسير القرطبي 5 / 309 ؛ والكشاف للزمخشري