محمد بن يزيد المبرد

617

المقتضب

هذا باب ما لا يكون الاستثناء فيه إذا أبدل إلّا على الموضع لامتناع اللفظ منه وذلك قولك : « ما جاءني من أحد إلّا زيد » على البدل ؛ لأنّ « من » زائدة ، وإنّما تزاد في النفي ، ولا تقع في الإيجاب زائدة ؛ لأنّ المنفيّ المنكور يقع واحده في معنى الجميع ، فتدخل « من » لإبانة هذا المعنى ، وذلك قولك : « ما جاءني رجل » ، فيجوز أن تعني رجلا واحدا ، وتقع المعرفة في هذا الموضع . تقول : « ما جاءني عبد اللّه » . فإذا قلت : « ما جاءني من رجل » ، لم يقع ذلك إلّا للجنس كلّه ، ولو وضعت في موضع هذا المنكور معروفا ، لم يجز لو قلت : « ما جاءني من عبد اللّه » ، كان محالا ؛ لأنّه معروف بعينه ، فلا يشيع في الجنس . فإذا قلت : « جاءني » لم تقع « من » هاهنا زائدة ؛ لأنّ معنى الجميع هاهنا ممتنع لإحاطته بالناس أجمعين ؛ كما كان هناك نفيا لجميعهم . فإذا قلت : « ما جاءني من رجل إلّا زيد » كان خلفا أن تقول : « إلّا زيد » ؛ لأنّك لو أبدلته من « رجل » على اللفظ ، قلت : « ما جاءني إلّا من زيد » ؛ فلذلك قلت : « ما جاءني من أحد إلّا زيد » ؛ لأنّ « من » ما بعدها في موضع رفع ، ولولا ذلك ، لكان يخلو الفعل من فاعل . وكذلك : « ما رأيت من أحد إلّا زيدا » ، و « ليس زيد بشيء إلّا شيئا لا يعبأ به » ، ولو قلت : « إلّا شيء » ، لم يصلح ؛ لأنّ التقدير : لست إلّا بشيء ، وهذا محال ، لأنّ الباء إنّما تزاد في غير الواجب توكيدا . تقول : « ما زيد بقائم » ، و « ليس زيد بمنطلق » . وعلى هذا ينشد هذا الشعر ، وليس يجوز غيره [ من الكامل ] : [ 558 ] - أبني لبينى لستم بيد * إلّا يدا ليست لها عضد

--> [ 558 ] - التخريج : البيت لأوس بن حجر في ديوانه ص 21 ؛ وشرح أبيات سيبويه 2 / 68 ؛ ولطرفة بن العبد في ديوانه ص 45 ؛ وشرح المفصل 2 / 90 ؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص 441 . اللغة : ابني لبينى : لعلّهما ابنا امرأة بعينها ، وبنو لبينى قوم من بني أسد بن وائلة . العضد ( بكسر الضاد ( وضمّها ) : ما بين المرفق والكتف والمعين الناصر .