محمد بن يزيد المبرد
601
المقتضب
فلم تقدّم المستثنى لتبدله من شيء ، لم يتمّ إذا كان لا يعرف إلّا بوصفه ، فقد صار صفة بمنزلة ما هو موصول به . ألا ترى أنّك لو قلت : « رأيت زيدا الأحمر » ، وهو لا يعرف إلّا بهذا النعت ، لم يكن قولك : « رأيت زيدا » مغنيا . وأمّا من أبدل منه ، فيقول : الوصف تابع مستغنى عنه ، وإنّما أبدل من الموصوف لا من وصفه ، وليس المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام إنّما أبدلت للتبيين ، ولم تقل إنّه نعت ، لأنّه جوهر لا ينعت به . ولو كان البدل يبطل المبدل منه ، لم يجز أن تقول : « زيد مررت به أبي عبد اللّه » ؛ لأنّك لو لم تعتدّ بالهاء ، فقلت : « زيد مررت بأبي عبد اللّه » ، كان خلفا ؛ لأنّك جعلت « زيدا » ابتداء ، ولم تردّ إليه شيئا ، فالمبدل منه مثبت في الكلام . وإنّما سمّى البدل بدلا ؛ لدخوله لما عمل فيه ما قبله على غير جهة الشركة . وكان سيبويه يختار : « ما مررت بأحد إلّا زيد خير منك » ؛ لأنّ البدل إنّما هو من الاسم لا من نعته ، والنعت فضلة يجوز حذفها . كان المازنيّ يختار النصب ، ويقول : « إذا أبدلت من الشيء ، فقد اطّرحته من لفظي ، وإن كان في المعنى موجودا ، فكيف أنعت ما قد سقط ؟ والقياس عندي قول سيبويه ؛ لأنّ الكلام إنّما يراد لمعناه . والمعنى الصحيح أنّ البدل والمبدل منه موجودان معا ، لم يوضعا على أن يسقط أحدهما إلّا في بدل الغلط ، فإنّ المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام . * * * وتقول : « ما منهم أحد اتّخذت عنده يدا إلّا زيد كريم » ، على البدل من « أحد » ، وإن شئت خفضت « زيدا » ، فأبدلته من الهاء التي في « عنده » ؛ لأنّ المعنى : ما اتّخذت يدا عند أحد منهم كريم إلّا عند زيد ، فهذا يدلّك على جميع البدل . * * *