محمد بن يزيد المبرد

597

المقتضب

هذا باب المستثنى من المنفيّ تقول : « ما جاءني أحد إلّا زيد » ، و « إلّا زيدا » . أمّا النصب فعلى ما فسّرت لك ، وأمّا الرفع ، فهو الوجه لما أذكره لك إن شاء اللّه . تقول : « ما جاءني أحد إلّا زيد » . فتجعل « زيد » بدلا من « أحد » ، فيصير التقدير « ما جاءني إلّا زيد » ؛ لأنّ البدل يحلّ محلّ المبدل منه . ألا ترى أنّ قولك : « مررت بأخيك زيد » ، إنّما هو بمنزلة قولك : « مررت بزيد » ؛ لأنّك لمّا رفعت « الأخ » ، قام « زيد » مقامه . فعلى هذا قلت : « ما جاءني أحد إلّا زيد » . فإن قال قائل : فما بال « زيد » موجبا ، و « أحد » كان منفيّا . ألا حلّ محلّه ؟ قيل : قد حلّ محلّه في العامل ، و « إلّا » لها معناها . ولو قلت : « جاءني إخوتك إلّا زيدا » ، لم يجز إلّا النصب ؛ لأنك لو حذفت « الإخوة » ، بطل الكلام ، وذلك أنّه كان يكون : « جاءني إلّا زيد » . فلا يقع الاستثناء على شيء ، فمن ثمّ بطل لفظ « إلّا » من النّصب لفساد البدل . فمن ذلك قول اللّه عزّ وجلّ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ « 1 » لأنّك لو قدّرته على حذف الضمير ، وهو الواو في « فعلوه » ، لكان : ما فعله إلّا قليل منهم . وقال في الإيجاب : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ « 2 » ، وقال : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ « 3 » . وأمّا قوله عزّ وجلّ : وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ « 4 » وامرأتك ، فالوجهان جائزان جيّدان .

--> ( 1 ) النساء : 66 . ( 2 ) البقرة : 249 . ( 3 ) الحجر : 30 ، 31 . ( 4 ) هود : 81 .