محمد بن يزيد المبرد

557

المقتضب

ألا ترى أنّ « دخلت » إنّما هو عمل فعلته . و « أوصلته إلى الدار » ، لا يمتنع منه ما كان مثل « الدار » . تقول : « دخلت المسجد » ، و « دخلت البيت » . قال اللّه عزّ وجلّ : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ « 1 » . فهو في التعدّي كقولك : « عمرت الدار » ، و « هدمت الدار » ، و « أصلحت الدار » لأنّه فعل وصل منك إليها ، مثل : « ضربت زيدا » . فعلى هذا تجري هذه الأفعال في المخصوص والمبهم . * * * فأمّا ما لا يتمكّن من ظروف المكان والزمان ، فسأصف لك حروفا تدلّ على العلّة فيما جرى مجراها ، لتتناول القياس من قرب إن شاء اللّه . * * * فأمّا « عند » فالذي منعها من التمكّن أنّها لا تخصّ موضعا ، ولا تكون إلّا مضافة . فإذا قلت : « جلست عند زيد » ، فإنّما معناه : الموضع الذي فيه زيد ، فحيث انتقل زيد ، فذلك الموضع يقال له « عند زيد » . فهي بمنزلة « حيث » في أنّها لا تخصّ موضعا ، إلّا أنّ « حيث » توضّح بالابتداء والخبر ، وبالفعل والفاعل ، لعلّة نذكرها إن شاء اللّه . وهذه تضاف إلى ما بعدها ، ولا يجوز أن تدخل عليها من حروف الإضافة إلّا « من » . تقول : « جئت من عند زيد » ، ولا يجوز أن تقول : « ذهبت إلى عند زيد » ؛ لأنّ المنتهى غاية معروفة ، وليس « عند » موضعا معروفا . و « من » للابتداء ، وليست للمستقرّ . فهذا أصل « عند » ، وإن اتّسعت ، واتّساعها نحو قولك : « أنت عندي منطلق » ؛ لأنّ « عند » للحضرة ، وإنّما أراد : فيما يحضرني في نفسي . وإنّما هذا بمنزلة قولك : « على زيد ثوب » . فإنّما يريد أنّه قد علاه ، ثمّ تقول : « عليه دين » ، تريد أنّه قد علاه وقهره . وكقولك : « زيد في الدار » ، أي : يحلّ فيه ، ثمّ تقول : « في زيد خصلة حسنة » ، فجعلته كالوعاء لها . فلقلّة تمكّن « عند » لا يجوز أن تجري مجرى الأسماء غير الظروف . لو قلت : « سير بزيد عندك » ؛ كما تقول : « سير بزيد أمامك » ، لم يجز . ولا تقول : « إنّ عندك حسن » ، كما تقول : « إنّ مكانك حسن » . * * * وكذلك « لدن » لأنّ معناها معنى « عند » . فكلّ ما كان غير متمكّن في بابه فغير مخرج منه على جهة الاتّساع إلى باب آخر .

--> ( 1 ) الفتح : 27 .