محمد بن يزيد المبرد

451

المقتضب

ألا ترى أنّك تقول : « مررت برجل قائم أبوه » ؛ كما تقول : « مررت برجل قائم » . وتقول - إن شئت - « ما زيد قائما ، ولا خارج أبوه » . جعلت « أباه » بمنزلة الأجنبيّ ، فصار « خارج » خبرا مقدّما . كأنّك قلت : « ما زيد منطلقا ، ولا أبوه خارج » . وتقول : « ما زيد خارجا غلامه » ، و « لا منطلقة جاريته » . يكون في العطف على حاله . فأمّا قول بني تميم فعلى أنّهم أدخلوا « ما » على المبتدأ ، وقد عمل في خبره ؛ كما يعمل الفعل في فاعله ، فكأنّ قولهم : « ما زيد عاقل » ، بمنزلة : « ما قام زيد » ؛ لأنهم أدخلوها على كلام قد عمل بعضه في بعض ، فلم يغيّر ؛ لأنّه لا يدخل عامل على عامل . وأمّا أهل الحجاز ، فإنّهم لمّا رأوها في معنى « ليس » في جميع مواقعها : تغني كلّ واحدة منهما عن صاحبتها ، أجروها مجراها في العمل ما دام الكلام على وجهه ، فقالوا : « ما زيد منطلقا » ؛ كما يقولون : « ليس زيد منطلقا » . فإن أدخلوا عليها ما يوجبها أو قدّموا خبرها ، رجعت إلى أنّها حرف ، فقالوا : « ما منطلق زيد » ؛ لأنّها ترجع إلى أنّ الكلام ابتداء وخبر ، فصار بمنزلة قولك : « قائم زيد » ، وأنت تريد : زيد قائم . لا يكون التقديم إلّا على ذلك ؛ لأنّ « ليس » فعل ، وهذه ليست بفعل . تقول : « لست » ، و « لسنا » ، و « ليسوا » ، و « لسن » ، ولا يكون شيء من هذه الإضمار في « ما » ، ولكن لمّا أشبهت الفعل ، جرت مجراه ما كان على مجراه وفي موضعه ، فلمّا فارقت ذلك ، لم يجز النقض فيها والتصرّف ، لأنّها في نفسها غير متصرّفة ، ولا محتملة ضميرا . ألا ترى أنّك تقول : « إنّ زيدا منطلق » ، ولو قدّمت الخبر ، لم تقل : « إنّ منطلق زيدا » ، لأنّك لا تجعل الحروف غير المتصرّفة كالأفعال المتصرّفة ، ولو فعلت ذلك ، للزمك أن تصرّفها في أنفسها ، وهذا محال . فأمّا تقديم الخبر فقولك : « ما منطلق زيد » ، و « ما مسيء من أعتب » [ 1 ] . فإنّما على حدّ قولهم : « ما زيد منطلق » ، ولو أردت التقديم على قولك : « ما زيد منطلقا » ، لم يجز ؛ كما لا يجوز : « إنّ منطلق زيدا » . وهذا قول مغن في جميع العربيّة : كلّ ما كان متصرّفا عمل في المقدّم والمؤخّر ، وإن لم يكن متصرّفا ، لم يفارق موضعه ، لأنّه مدخل على غيره . وأمّا نقض الخبر فقولك : « ما زيد إلّا منطلق » ؛ لأنّك نفيت عنه كلّ شيء إلّا الانطلاق . فلم تصلح « ما » أن تكون عاملة في نقض النفي ؛ كما لم تعمل في تقديم الخبر . قال اللّه عزّ وجلّ : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ « 2 » ، و ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ « 3 »

--> [ 1 ] هذا القول من أمثال العرب ، وقد ورد في لسان العرب 1 / 578 ( عتب ) ؛ وهو برواية : « ما أساء من أعتب » في مجمع الأمثال 2 / 288 . ( 2 ) القمر : 50 . ( 3 ) المؤمنون : 24 ، 33 .