محمد بن يزيد المبرد
445
المقتضب
قيل له : في هذا جوابان ، كلاهما مقنع : أحدهما : أن يكون من عمى القلب ، وإليه ينسب أكثر الضلّال ؛ لأنّه حقيقته كما قال : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 1 » : فعلى هذا تقول : « ما أعماه » ! كما تقول : « ما أحمقه » ! . والوجه الآخر ؛ أن يكون من « عمى العين » ، فيكون فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى لا تريد به « أعمى من كذا » ، ولكنّه في الآخرة أعمى ، كما كان في الدنيا ، وهو في الآخرة أضلّ سبيلا . وتقول : « يا هند أحسن بزيد » ، و « يا رجلان أحسن بزيد » ؛ لأنّك لست تأمرهم أن يصنعوا شيئا ، وإنّما المعنى : « ما أحسنه » ! فإذا كان من الألوان ، والعيوب ، قلت : « يا هند أشدد بحمرة زيد » ! و « يا رجال أشدد بحمرة زيد » ! ومن هذا الباب قول اللّه عزّ وجلّ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ « 2 » . ولا يقال للّه - عزّ وجلّ - تعجّب ، ولكنّه خرّ على كلام العباد ، أي : هؤلاء ممّن يجب أن يقال لهم : « ما أسمعهم ، وأبصرهم » في ذلك الوقت . ومثل هذا قوله : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى « 3 » ، و « لعلّ » إنّما هي للترجّي ، ولا يقال ذلك للّه . ولكن المعنى - واللّه أعلم - اذهبا أنتما على رجائكما ، وقولا القول الذي ترجوان به ، ويرجو به المخلوقون تذكّر من طالبوه . وأمّا قوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ « 4 » فليس من هذا ، ولكنه - واللّه أعلم - التقرير والتوبيخ . وتقديره : أيّ شيء أصبرهم على النار ؟ ، أي : دعاهم إليها ، واضطرّهم إليها ؛ كما تقول : « صبرت زيدا على القتل » . ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - أن يصبر الروح . ومثل ذلك قوله [ من السريع ] : [ 458 ] - قلت له : أصبرها دائنا * أمثال بسطام بن قيس قليل
--> ( 1 ) الحج : 46 . ( 2 ) مريم : 38 . ( 3 ) طه : 44 . ( 4 ) البقرة : 175 . [ 458 ] - التخريج : البيت للخطيئة في ديوانه ص 176 ؛ ولسان العرب 4 / 438 ( صبر ) . اللغة : أصبرها : من صبره عن الشيء يصبره صبرا حبسه . المعنى : طلبت إليه أن يصبر صاحبه بأنا نقصد بسطام بن قيس ، وهذا رجل كريم أصيل قلّ نظائره في الناس . الإعراب : ( قلت ) : فعل ماض ، و ( التاء ) : فاعل . ( له ) : جار ومجرور متعلقان ب ( قلت ) . ( أصبرها ) : فعل