محمد بن يزيد المبرد

438

المقتضب

فإذا قلت : « يوم الجمعة زيد في الدار » . ف « يوم الجمعة » غير « زيد » ، وقد عمل فيه استقرار « زيد » . وإذا قلت : « جاءني زيد راكبا » . ف « الراكب » هو « زيد » ، وكذلك : ضربت زيدا قائما » ، و « زيد منطلق راكبا » . ف « القائم » ، و « الراكب » ، وما أشبه ذلك هو « زيد » ، فلمّا كان إياه عمل فيه ما يعمل في المفعول به ؛ لأنّه اسم مثله . ولمّا كان الظرف متضمّنا لهذا وغيره ، وكان غيرهما في المعنى إنّما هو اسم زمان أو مكان لا يخلو من كون فيها واستقرار ، كان الناصب لهما المعنى الذي جيء بهما من أجله . فإن قيل : لم لا تقول : « هذا زيد يوم الجمعة » ، و « هذا زيد شهر رمضان » ، فتعمل التنبيه ؟ قيل له : إذا كان الظرف من المكان ، لم يمتنع من شيء من الأسماء ؛ لأنّها تفيد فيه معنى . وذلك أنّك إذا قلت : « زيد عندك أو في دارك » ، أو « بالبصرة » فقد أفدت فيه ما قد كان يجوز أن يخلو منه . وإذا قلت : « زيد يوم الجمعة » ، فلا معنى لهذا ؛ لأنّ « يوم الجمعة » لا يخلو « زيد » ولا غيره منه ، ولا حيّ ولا ميّت ، فلمّا لم تكن فيه فائدة ، قال النحويّون لا تكون ظروف الزمان للجثث [ 1 ] . وإنّما امتنع قولك ؛ « هذا زيد يوم الجمعة » من الجواز وإن كانت « ها » للتنبيه ، و « ذا » للإشارة ولم يكن مثل قولك : « القتال شهر رمضان » ، و « يوم الجمعة » ؛ لأنّك إذا قلت : « القتال يوم الجمعة » ، فقد خبّرت بشيء يكون في « الجمعة » ، قد كان يجوز أن يخلو منه . وأنت إذا قلت : « هذا زيد » ، فقد نبّهت ، وأعلمت في أيّ وقت هو ؟ فلا معنى لقولك : « يوم الجمعة » ، لا لذكر وقت ، لأنّ السامع في الوقت وأنت سواء . ألا ترى أنّك إذا قلت : « أنا آكل يوم الجمعة » ، وأنت تخبر عن أنّك تفعل هذا إذا كان يوم الجمعة ، كان جيّدا . ولو قلت : « أنا آكل يوم الجمعة » ، تخبر عمّا أنت فيه ، لم يكن له معنى ، فإن أردت أن تفيد السامع أنّ اليوم يوم الجمعة ، قلت : « أنا آكل وهذا يوم الجمعة » ؛ ليصير خبرا بعد خبر . فتفهّم هذا ، فإن معرفة الأصول إحكام الباب ، وإذا صحّت ، جرت عليه المسائل على الاستقامة إن شاء اللّه .

--> [ 1 ] الجثث : جمع جثّة ، والمقصود اسم العين ، أي : الاسم الذي له ذات يدرك بالحواس ، ويقابله اسم المعنى .