محمد بن يزيد المبرد
428
المقتضب
وليس ما قالوا في كراهية النصب بشيء . وذاك لأنّ « ضاربا » يجري مجرى الفعل في جميع أحواله من العمل . فالتقديم والتأخير في الفعل ، وما كان خبرا للأوّل - مفردا أو مع غيره - فمجراهما واحد . وإنّما يكره الفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه . نحو قولك : « كانت زيدا الحمّى تأخذ » . فتنصب « زيدا » ب « تأخذ » ، و « تأخذ » خبر « كان » ، وتفصل ب « زيد » بين اسم « كان » وخبرها ، وليس « زيد » لها باسم ولا خبر . فهذا الذي لا يجوز . أو يكون العامل غير متصرف فلا يجري مجرى الفعل ، نحو : « عندي عشرون اليوم درهما » ، و « إنّ منطلق زيدا » ، و « زيدا إنّ منطلق » . فهذا الذي لا يجوز . فأما إذا كان العامل متصرّفا ، ولم تفصل بينه وبين المعمول فيه بشيء ليس منه ، ولا بسببه ، فعمله فيه كعمله إذا وليه . وقد فسّرنا مثل هذا فيما مضى . ومثل ذلك من المصادر : « أعجبني اليوم ضرب زيد عمرا » . إن جعلت « اليوم » نصبا ب « أعجبني » ، فهو جيّد . وإن نصبته ب « الضرب » كان محالا ، وذلك لأنّ « الضّرب » في معنى « أن فعل » ، و « أن يفعل ، فمحال أن ينصب ما قبله ؛ لأن ما بعده في صلته ، ولا يعمل إلّا فيما كان من تمامه ، فيصير بعض الاسم ، ولا يقدّم بعض الاسم على أوّله . فإن لم يكن في معنى « أن » وصلتها ، أعملته عمل الفعل إذ كان نكرة مثله ، فقدّمت فيه وأخّرت . وذلك قولك : « ضربا زيدا » ، وإن شئت قلت : « زيدا ضربا » ؛ لأنّه ليس في معنى « أن » إنّما هو أمر . فقولك : « ضربا زيدا » ينتصب بالأمر ، كأنّك قلت : « اضرب » ، إلّا أنّه صار بدلا من الفعل لمّا حذفته . ألا ترى أنّ قولك « سقيا » بمنزلة « سقاك اللّه » و « مرحبا » بدل من قولك : « رحبت بلادك » . فعلى هذا يجري ما وصفت لك في الإعمال ، والتقديم ، والتأخير . * * *