محمد بن يزيد المبرد
332
المقتضب
علمك ، كما قال اللّه تبارك وتعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ « 1 » . فإن قيل : إنّ « يظنّون » هاهنا « يوقنون » . فهكذا هو ، ولكنّها في الثبات في الظنّ وفي إعمالها على الوجه الآخر . إلّا أنّها إذا أريد بها العلم ، لم تكن إلّا مثقّلة . فإن أريد بها الشكّ ، جاز الأمران جميعا . والتثقيل في الشكّ أكثر استعمالا ؛ لثباته في الظنّ كثبات الأخرى في العلم . فأما الوجه الذي يجوز فيه الخفيفة ، فإنّه متوقّع غير ثابت المعرفة . قال اللّه عزّ وجلّ : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ « 2 » . وأمّا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ « 3 » وقولهم : معناه : أيقنا - فإنّما هو شيء متوقّع ، الأغلب فيه ذا ، إلّا أنّه علم ثابت ؛ ألّا تراه قال : فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها « 4 » لمّا كان أيقنوا . * * * واعلم أنّ « لا » إذا دخلت على « أن » ، جاز أن تريد ب « أن » الثقيلة ، وأن تريد الخفيفة . فإن أردت الثقيلة ، رفعت ما بعدها ؛ لأنّه لا يحذف منها التثقيل إلّا مع الإضمار . وهذا يبيّن لك في باب « إنّ وأنّ » . وإنّما تقع الخفيفة والثقيلة على ما قبلها من الأفعال ، لا يجوز الإضمار إلّا أن تأتي بعوض . والعوض : « لا » ، أو « السين » ، أو « سوف » ، أو نحو ذلك ممّا يلحق الأفعال . فأمّا « لا » وحدها ، فإنّه يجوز أن تريد ب « أن » التي قبلها الخفيفة ، وتنصب ما بعدها ؛ لأنّ « لا » لا تفصل بين العامل والمعمول فيه [ 5 ] ، تقول : « مررت برجل لا قائم ولا قاعد » ؛ كما تقول : « مررت برجل قائم وقاعد » . وذلك قولك : « أخاف ألّا تذهب يا فتى » ، و « أظنّ ألّا تقوم يا فتى » ؛ كما قال : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ « 6 » . وفي « ظننت » وبابها تكون الخفيفة والثقيلة كما وصفت لك . قال اللّه عزّ وجلّ : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ « 7 » و « أن لا تكون » ، فالرفع على : « أنّها لا تكون فتنة » .
--> ( 1 ) البقرة : 46 . ( 2 ) القيامة : 25 . ( 3 ) البقرة : 230 . ( 4 ) الكهف : 53 . [ 5 ] أي : لا تمنع ما قبلها من أن يعمل فيما بعدها . ( 6 ) البقرة : 229 . ( 7 ) المائدة : 71 .