محمد بن يزيد المبرد

607

المقتضب

هذا باب « إنّ » إذا دخلت اللام في خبرها اعلم أنّ هذه اللام تقطع ما دخلت عليه ممّا قبلها . وكان حدّها أن تكون أوّل الكلام ؛ كما تكون في غير هذا الموضع . وذلك قولك : « قد علمت زيدا منطلقا » . فإذا أدخلت اللام ، قلت : « علمت لزيد منطلق » ، فتقطع بها ما بعدها ممّا قبلها ، فيصير ابتداء مستأنفا . فكان حدّها في قولك : « إنّ زيدا لمنطلق » ، أن تكون قبل « إنّ » ؛ كما تكون في قولك : « لزيد خير منك » . فلمّا كان معناها في التوكيد ووصل القسم معنى « إنّ » ؛ لم يجز الجمع بينهما ؛ فجعلت اللام في الخبر ، وحدّها : أن تكون مقدّمة ؛ لأنّ الخبر هو الأوّل في الحقيقة ، أو فيه ما يتّصل بالأوّل ، فيصير هو وما فيه الأوّل . فلذلك قلت : « إنّ زيدا لمنطلق » ؛ لأنّ « المنطلق » هو « زيد » . وكذلك لو قلت : « إنّ زيدا لفي داره عمرو » ، أو : « لعمرو يضربه » ؛ لأنّ الذي عمرو يضربه هو زيد . فهذا عبرة هذا . ألا ترى أنّك إذا فصلت بين « إنّ » وبين اسمها بشيء ، جاز إدخال اللام ، فقلت : « إنّ في الدار لزيدا » ، و « إنّ من القوم لأخاك » . فهذا يبيّن لك ما ذكرت . وذلك قولك : « أشهد أنّ زيدا منطلق » ، و « أعلم أنّ زيدا خير منك » . فإذا أدخلت اللام ، قلت : « أشهد إنّ زيدا لخير منك » ، و « أعلم إنّ زيدا لمنطلق » . قال اللّه عزّ وجلّ : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ « 1 » . فلو لا اللام ، لم يكن إلّا « أنّ » ؛ كما تقول : « أعلم زيدا خيرا منك » . فإذا أدخلت اللام ، قلت : « أعلم لزيد خير منك » . وقال : أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ . وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ . إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ « 2 » ، فهذا مجاز اللام .

--> ( 1 ) المنافقون : 1 . ( 2 ) العاديات : 9 - 11 .