محمد بن يزيد المبرد
589
المقتضب
واعلم أنّ للقسم تعويضات من أدواته تحلّ محلّها ، فيكون فيها ما يكون في أدوات القسم ، وتعتبر ذلك بأنّك لا تجمع بينها وبين ما هي عوض منه . فإن جاز الجمع بين شيئين ، فليس أحدهما عوضا من الآخر ؛ ألا ترى أنّك تقول : « عليك زيدا » ، وإنّما المعنى : خذ زيدا ، وما أشبهه من الفعل . فإن قلت : « عليك » ، لم تجمع بينها وبين فعل آخر ، لأنّها بدل من ذلك الفعل . * * * فمن هذه الحروف « الهاء » التي تكون للتنبيه . تقول : « لاها اللّه ذا » ، وإن شئت قلت : « لا هلّله ذا » . فتكون في موضع الواو إذا قلت : « لا واللّه » . فأمّا قولك : « ذا » فهو الشيء الذي تقسم به ، فالتقدير : لا واللّه هذا ما أقسم به ، فحذفت الخبر لعلم السامع به . فأمّا مدّتها وإجراء المدغم بعدها في قولك : لاها اللّه ذا ، فإنّك أتيت ب « ها » التي للتنبيه ، وثبتت الألف ؛ لأنّ حروف المدّ يقع بعدها الساكن المدغم . وتكون المدّة عوضا من الحركة ؛ لأنّك ترفع لسانك عن المدغم رفعة واحدة . وقد مضى تفسير هذا . فيكون كقولك : « دابّة » ، و « شابّة » ، و « رادّ » وما أشبهه . وأمّا قولك : « لا هلّله ذا » ، فإنّك حذفت الألف من هاء التنبيه ، لمّا وصلتها ، وجعلتها عوضا من الواو ؛ كما فعلت ذلك بها في هلمّ . و « ها » هذه ، هي التي تلحق في قولك : « هذا » . قلنا المعنى : لا واللّه هذا ما أقسم به لأنّها للتنبيه ، فالتنبيه يقع قبل كلّ ما نبّهت عليه . كما قال الشاعر [ من البسيط ] : [ 242 ] - تعلّمن ها لعمر اللّه ذا قسما * فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
--> [ 242 ] - التخريج : البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 182 ؛ وخزانة الأدب 5 / 451 ، 10 / 41 ، 42 ؛ والدرر 1 / 238 ؛ وشرح أبيات سيبويه 2 / 246 ؛ ولسان العرب 10 / 442 ( سلك ) ، 15 / 481 ( ها ) ؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب 11 / 194 ؛ وهمع الهوامع 1 / 76 . اللغة : تعلّم : اعلم ، وهو أمر جامد . واقصد بذرعك : كن قصيدا في أمرك ، ولا تتعد حدودك . وتنسلك : تدخل . المعنى : يخاطب الشاعر الحارث بن ورقاء الصيداوي الذي كان قد أغار على قومه ، وأخذ إبلا له وعبدا ، فتوعده بالهجاء إن لم يرد عليه ما أخذه ، يقول له : اعلم أنني أقسمت أن أهجوك إن لم ترد ما أخذته ، فالزم حدودك ، واعرف أين تضع نفسك . -