محمد بن يزيد المبرد

567

المقتضب

المسألة . فإنّما ينبغي أن تقول : « أيّ الرجلين » ؟ فإن كنت لا تعرف « عمرا » ، إلّا أنّك تعلم أنّه من الثلاثة ، فالقصّة فيه كالقصّة فيما قبله ؛ لأنّك إنّما تسأل عن أحد اثنين ، وتحتاج إلى أن تعرف « عمرا » . ولو قلت : « أيّ الثلاثة أحدهما عمرو » ؟ كان عند بعض النحويّين جائزا ، وليس يجوز عندي لما أشرحه لك ؛ وذلك أنّك إذا قلت : « أيّ الرجال أحدهما عمرو » ، والرجال « زيد » و « عمرو » و « خالد » - فكأنّك قلت : أهذا وهذا ؟ تعني « زيدا » و « خالدا » ، أم هذا وهذا ؟ تعني « عمرا » و « خالدا » . فليس في هذا بيان لتخليص « خالد » إذا كان مع « عمرو » من « زيد » ؛ لأنّ قصّتهما فيه واحدة ، ولا فيه دليل على « عمرو » بعينه . وليس معنى « أيّ » إلّا التبيين ، ولا تبيين في هذا . ومن أجازه ، قال : قد وقع فيه ضرب من التبيين ؛ لأنّا نعلم أنّ الثالث المخلّف ليس ب « عمرو » . فيقال له : « أيّ » إنّما خبرها هو المطلوب تفسيره ، والذي بينت أنّه ليس ب « عمرو » ليس منهما . وتقول : « أيّ إخوانك زيد عمرو خالد يكلّمه فيه عنده » ؟ كما تقول : « أخوك زيد عمرو خالد يكلّمه فيه عنده » ، لأنّه ابتداء بعد ابتداء . ولو قلت : « أيّ الذين في الدار هند ضاربتهم » ؟ جاز أن تكون اقتطعت ب « أي » جماعة من جماعة ، والوجه ضاربته . وليس الحمل على المعنى ببعيد ، بل هو وجه جيّد . قال اللّه عزّ وجلّ : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ « 1 » وقال : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً « 2 » فهذا على اللفظ ، والأوّل على المعنى . ولو قلت : « أيّ من في الدار يكرمك » ؟ كان جيّدا ؛ لأنّ المعنى : أيّ القوم يكرمك ؟ ولو قلت : « أيّ من في الدار يكرمك تكرمه » ، فإن شئت جعلت « يكرمك » الأولى من الصلة ، فكان المعنى : « أيّ من يكرمك في الدار » ، فيكون الإكرام وقع لك في الدار . وإن شئت ، كان في الصلة ، وإن شئت ، أخرجته من الصلة ، وجعلته خبرا ، وجعلت « تكرمه » حالا . هذا في الرفع . وإن شئت ، جزمتهما ، وإن شئت ، جعلت « أيّ » جزاء ، وإن شئت ، رفعت الأوّل ، وجزمت الثاني ، وجعلت « أيّا » استفهاما . فأمّا « من » في هذا الموضع ، فهي

--> ( 1 ) النمل : 87 . ( 2 ) مريم : 95 .