محمد بن يزيد المبرد

446

المقتضب

والشيء الآخر : أنّك تعلم أن أوّل أحوال الاسم الرفع . فأوّل ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها ، فقد وجب ألّا يكون فيها في موضع الرفع إعراب ؛ لأنّه لا انقلاب معها . وقولنا : دليل على الإعراب ، إنّما هو أنّك تعلم أنّ الموضع موضع رفع ، إذا رأيت الألف ، وموضع خفض ونصب ، إذا رأيت الياء ، وكذلك الجمع بالواو والنون إذا قلت : « مسلمون » ، و « مسلمين » . وكذلك ما كان المفهم لموضعه حرفا ، نحو قولك : « أخوك » ، و « أخاك » ، و « أخيك » ، و « أبوك » ، و « أباك » ، و « أبيك » ، و « ذو مال » ، و « ذا مال » ، و « ذي مال » ، وجميع هذه التي يسمّيها الكوفيّون معربة من مكانين . لا يصلح في القياس إلّا ما ذكرنا . والزائدة الثانية « النون » إنّما هي بدل ممّا كان في الواحد من الحركة والتنوين ، وقد مضى القول في هذا . * * * واعلم أنّك إذا ذكرت الواحد ، فقلت : « رجل » ، أو « فرس » ، أو نحو ذلك ، فقد اجتمع لك فيه معرفة العدد ومعرفة النوع . إذا ثنّيت فقلت : « رجلان » ، أو « فرسان » ، فقد جمعت العدد والنوع . وإذا قلت : « ثلاثة أفراس » لم يجتمع لك في « ثلاثة » العدد والنوع ، ولكنّك ذكرت العدّة ، ثمّ أضفتها إلى ما تريد من الأنواع . وكان قياس هذا أن تقول : « واحد رجال » ، و « اثنا رجال » . ولكنّك أمكنك أن تذكر الرجل باسمه ، فيجتمع لك فيه الأمران . ولمّا كانت التثنية التي هي لضرب واحد من العدد ، أمكنك ذلك من لفظ الواحد ، فقلت : « رجلان » ، و « غلامان » ، ولم يحسن ذلك في الجمع ، لأنّه غير مخطور ، ولا موقوف على عدّة ، ولا يفصل بعضه من بعض . ولو أراد مريد في التثنية ما يريده في الجمع ، لجاز ذلك في الشعر ؛ لأنّه كان الأصل ، لأنّ التثنية جمع [ 1 ] . وإنّما معنى قولك : « جمع » : أنّه ضمّ شيء إلى شيء .

--> [ 1 ] الجمع في اللغة ما دلّ على اثنين فصاعدا ، بخلاف الجمع في اصطلاح النحاة ، إذ هو عندهم يدلّ على ثلاثة فأكثر . وللغويين شواهد كثيرة على دلالة الجمع على اثنين ، ومنه قوله تعالى : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ التحريم : 4 ] .