سليم بن قيس الهلالي الكوفي
56
كتاب سليم بن قيس الهلالي
عليه السلام وعن سلمان وعن أبي ذر والمقداد وعمّار وغيرهم بأحاديث كثيرة عرف أبان من خلالها أنّ تلك الأحاديث ممّا لا يمكن إظهارها وأنّه لا يوافق ما وضعه المدلّسون على العامّة ، فكتمها ولم يحدّث بشيء منها أحدا . وبذلك فتح اللّه عليه باب البصيرة وأظهر النور المكنون في باطنه ، وربّاه سليم تربية اطمأنّ معه أن يسلّم كتابه إليه ، ذلك السرّ الذي بذل في سبيله كلّ جهده ومجهوده وأفنى من أجله كلّ عمره الشريف . وعندما شارف عمر سليم على الانتهاء في أرض الغربة ثقل على قلبه التحفّظ على هذه الأمانة الكبرى ، فربّما يرى أن يحرقها ويعرضها للفناء لئلّا يطّلع عليها أحد ، ثمّ يتأثّم من ذلك ولا يراه صوابا . ولكن حينما يلتقى بأبان يرى أنّه سيحقّق أمله السامي بعد أن غذّاه الفكر الصحيح وعرّفه الحقائق وربّاه على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، ولقد أجاد في إرشاد أبان وإيصاله إلى الحق . ولعلّه كان يتبسّم في قوله لأبان : « إنّي جاورتك فلم أر منك إلّا ما أحبّ » ، وما ذا كان يحبّ سليم من أبان غير كونه لائقا لتحويل الكتاب إليه . ولم يلبث سليم بعد ما هرب من الحجاج ودخل بلاد فارس أكثر من سنة ظاهرا « 29 » ، فمرض هناك . فلمّا رأى من نفسه آثار الموت - ولم يكن همّه غير كتابه - دعا أبانا وخلا به وأخبره عن كتابه والمشاقّ الّتي تحمّلها في سبيله وكيفيّة جمعه وتأليفه ليعرف أبان كيف يتحفّظ عليه ، كلّ ذلك لما كان يعلم سليم عمّا ربّما سيواجهه أبان من استعظام ما في الكتاب وإنكار الناس عليه ، فإنّ سليما كان لم يظهر لأبان - قبل مناولته الكتاب - كثيرا ممّا هو الأصل في مبادئ الإسلام الّذي تضمّنه كتابه . ولعلّه كان يرى أنّ أبانا لم يصل بعد إلى ذلك المستوى الذي يطيق تلك الحقائق إلّا بعد جهد وتربية وتوجيه . هذا ونحن معك - أيّها القارئ الكريم - عند سليم في الأيّام الأخيرة من عمره يشكر اللّه على ما منّ عليه من الظروف الّتي اطمأنّ فيها على عدم ضياع كتابه الذي
--> ( 29 ) - راجع ص 302 من هذه المقدّمة .