سليم بن قيس الهلالي الكوفي
286
كتاب سليم بن قيس الهلالي
ولقد كان سليم في هذه الحروب منسلكا في شرطة الخميس الفدائيّين لأمير المؤمنين عليه السلام وهم كانوا ستّة آلاف رجل يعانقون الموت في الخطّ الإماميّ من ساحة القتال عند اشتعال نيران الحرب . إذا عرفت هذا الجانب من روحيّات سليم فانظر ما ذا ترى عن رجل مثله في ميدان العلم والقلم . فإنّك إن درست حياته العلميّة تراه رجلا متطلّعا إلى الحقيقة فاحصا عنها ، كثير الرواية شديد الضبط دقيق النظر . وفي كلمة : إنّه في الاتّجاه الآخر من حياته أوقف نفسه - بجميع إمكانيّاتها - في سبيل طلب علم الدين وتدوينه وحفظه للأجيال القادمة . وبما أنّه حامل هذه العلوم أمانة للامّة نراه رجلا كتوما يحبّ الخفاء والكتمان ويبغض الاشتهار . وبذلك تمكّن من حفظ نفسه عن مثل زياد وابن زياد كما تمكّن بكتمانه من تدوين كتابه وتأليفه وجمعه وحفظه في أزمنة كان قد منع فيها من تدوين الحديث بالكليّة وكان يؤاخذ عليها بأشدّ ما يكون من المؤاخذة . وكان سليم رحمه اللّه كريم النفس ، شديد الاجتهاد ، صاحب الحزن . وهي صفات أولياء اللّه الّذين يكون الموت مصوّرا أمام أعينهم دائما . وكان يشرق من جبينه نور الولاية وبهجة العبادة والورع . * * * لقد حصلنا على روحيات سليم ممّا يلوح من مضامين رواياته بالإضافة إلى ما نقله أبان بن أبي عيّاش في مفتتح الكتاب . ونشير هنا إلى نقطتين هامّتين منها : النقطة الأولى : كتمانه واجتنابه عن الاشتهار هذه خلقيّة تلوح من جوانب حياته ، فقد كان يختفي بنفسه ويبغض الشهرة في أكثر أيّام عمره إلّا خمس سنين من أيّام خلافة أمير المؤمنين عليه السلام الظاهريّة . فتمكّن بها من جمع الحقائق بحريّة ، والتساؤل عنها من دون أيّ تقيّد ، وتمكّن من حفظ ما جمعه في كتابه طيلة الفترات المظلمة بالغشم والعدوان ، فإنّه لو اطّلع أحد من الحاكمين على ما جمعه ودوّنه سليم لأفناه وأحرقه كما فعلوا ذلك بكثير من نظائره .