الفتال النيسابوري

414

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

أين آباؤكم ؟ أين امّهاتكم ؟ أين إخوانكم ؟ أين أخواتكم ؟ أين أولادكم ؟ دعوا فأجابوا ، واستودعوا الثرى ، وجاوروا « 1 » الموتى ، وصاروا في الهلكى ، وخرجوا عن الدنيا ، وفارقوا الأحبّة ، واحتاجوا إلى ما قدّموا ، واستغنوا عمّا خلّفوا . كم توعظون ؟ وكم تزجرون وأنتم لا هون ساهون ؟ مثلكم في الدنيا مثل البهائم ثمّ ؛ همّتكم فروجكم وبطونكم ، أما تستحون [ تستحيون ] ممّن خلقكم ، قد وعد من عصاه النار ولستم ممّن يقوى على النار ، ووعد من أطاعه الجنّة ، ومجاورته الفردوس الأعلى ، فتنافسوا فيه وكونوا من أهله ، وأنصفوا من أنفسكم وتعطّفوا على ضعفائكم من أهل الحاجة منكم ، وتوبوا إلى اللّه توبة نصوحا ، وكونوا عبيدا أبرارا ولا تكونوا ملوكا جبابرة ، ولا من العتاة الفراعنة المتمرّدين على من قهرهم بالموت ، جبّار الجبابرة ، ربّ السماوات وربّ الأرض وإله الأوّلين والآخرين ، مالك يوم الدين ، شديد العقاب ، الأليم العذاب ، لا ينجو منه ظالم ، ولا يفوته شيء ، ولا يعزب عنه شيء ، ولا يتوارى منه شيء ، أحصى كلّ شيء علمه ، وأنزله منزله في الجنّة أو النار . ابن آدم الضعيف ! أين تهرب ممّن يطلبك في سواد ليلك ، وبياض نهارك . وفي كلّ حال من حالاتك ؟ قد أبلغ من وعظ ، وأفلح من اتّعظ « 2 » . [ 1450 ] 35 - قال اللّه تعالى : يا موسى ، إنّ الدنيا دار عقوبة ، وجعلتها ملعونة ، ملعون ما فيها إلّا ما كان لي . يا موسى ، إنّ عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم ، وسائرهم من

--> ( 1 ) في المخطوط : « جاوزوا » بدل « جاوروا » . ( 2 ) أمالي الصدوق : 650 / 884 عن منصور بن حازم ، البحار : 14 / 288 / 13 .