الفتال النيسابوري
398
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
وهو على وجل « 1 » يمسي وهمّه الشكر ، ويصبح وهمّه الذكر ، يبيت حذرا ، ويصبح فرحا حذرا من الغفلة ، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة ، إن استصعبت عليه نفسه فيما يكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ ، قرّة عينه فيما لا يزول ، ورغبته فيما يبقى ، وزهادته فيما لا يبقى ، مزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل ، تراه قريبا أمله ، بعيدا كسله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعا نفسه ، منزورا « 2 » أكله ، سهلا أمره ، حريزا دينه ، ميّتا شهوته ، مكظومة غيظه ، الخير منه مأمول ، والشرّ منه مأمون ، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين ، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمّن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، بعيدا فحشه ، ليّنا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ، مقبلا خيره ، مدبرا شرّه ، في الزلازل وقور ، وفي المكاره صبور ، وفي الرخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحبّ يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه لا يضيع ما استحفظ ، ولا ينسى ما ذكّر ، ولا ينابز بالألقاب ، ولا يضارّ بالجارّ ولا يشمت بالمصائب ، ولا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحقّ ، إن صمت لم يغمّه صمته « 3 » ، وإن ضحك لم يعل صوته ؛ وإن بغي عليه صبر حتّى يكون اللّه الذي ينتقم له ، نفسه منه في عناء ، والناس منه في راحة أتعب نفسه لآخرته وأراح الناس من نفسه ، بعده عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده « 4 » بكبر وعظمة ، ولا دنوّه بمكر وخديعة .
--> ( 1 ) في المخطوط : « رجل » بدل « وجل » . ( 2 ) في المخطوط : « مبرورا » بدل « منزورا » . ( 3 ) في المخطوط : « صوته » بدل « صمته » . ( 4 ) في المخطوط : « تباعد » بدل « تباعده » .