الفتال النيسابوري
103
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
جعل اللّه تعالى قربان أمّة نبيه صلّى اللّه عليه وآله في بطون فقرائها ومساكينها ؛ فمن قبل ذلك منه أضعف له أضعافا مضاعفة ومن لم يقبل منه رفعت عنه عقوبات الدنيا . ومنها : أنّ اللّه كتب عليهم في التوراة القصاص في القتل ، والجراح ، ولم يرخّص لهم في العفو وأخذ الدّية ؛ ولم يفرّق بين الخطأ والعمد في وجوب القصاص وقال : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ « 1 » ثمّ خفّف عنا في ذلك فخيّر بين القصاص والدية والعفو ، وفرّق بين الخطأ والعمد ، فقال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى إلى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ « 2 » . ومن ذلك : تخفيف اللّه عزّ وجلّ عنهم في أمر التوبة ، فقال لبني إسرائيل : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ « 3 » فكانت توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا الأب ابنه ، والابن أباه ، والأخ أخاه ، والامّ ولدها ، ومن فرّ من القتل أو دفع عن نفسه أو ألقى السيف بيده أو رحم على ذي رحمة لم يقبل توبته ، ثمّ أمرهم اللّه تعالى بالكفّ عن القتل بعد أن قتلوا سبعين ألفا في مكان واحد ، فهذا توبتهم ، وجعل توبتنا الاستغفار باللسان ، والندم بالجنان ، وترك العود بالأبدان ، فقال عزّ وجلّ : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ « 4 » الآية وقال : أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ « 5 » ، وقال : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
--> ( 1 ) المائدة : 45 . ( 2 ) البقرة : 178 . ( 3 ) البقرة : 54 . ( 4 ) آل عمران : 135 . ( 5 ) المائدة : 74 .