الفتال النيسابوري
559
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
فلمّا دخل أبو محمّد الدار كنت مع أبي ، فنظر أبو محمّد إلى البغل واقفا في صحن الدار ، فعدل إليه ، فوضع يده على كفله قال : فنظرت إلى البغل وقد عرق حتى سال العرق منه ، ثمّ صار إلى المستعين فسلّم فرحّب به ، فقرّب فقال : يا أبا محمّد : الجم هذا البغل . فقال أبو محمّد لأبي : الجمه يا غلام ، فقال له المستعين : الجمه أنت ، فوضع أبو محمّد طيلسانه « 1 » عليه ثمّ قال : فألجمه ثمّ رجع إلى المستعين « 2 » وجلس فقال له : يا أبا محمّد اسرجه ، فقال لأبي : يا غلام ، اسرجه فقال له المستعين : بل أنت اسرجه ، فقام ثانية فأسرجه ورجع ، فقال له : ترى أن تركبه ، فقام أبو محمّد فركبه من غير أن يمتنع عليه ؛ ثمّ ركضه في الدار ، ثمّ حمله على الهملجة « 3 » « 4 » فمشى أحسن مشي يكون ، ثمّ رجع فنزل فقال له المستعين : يا أبا محمّد ، كيف رأيته ؟ قال : ما رأيت مثله حسنا وفراهة « 5 » ، قال له المستعين : إنّ أمير المؤمنين حملك عليه ، فقال أبو محمّد لأبي : خذه يا غلام ، فأخذه وقاده « 6 » . [ 550 ] 6 - قال أبو حمزة نصير الخادم : سمعت أبا محمّد غير مرّة يكلّم غلمانه بلغاتهم ، وفيهم ترك وروم وصقالبة ، فتعجّبت من ذلك ، وقلت : هذا ولد بالمدينة ، ولم يظهر حتى مضى أبو الحسن ، ولا رآه أحد ، فكيف هذا ؟ احدّث نفسي بذلك . فأقبل عليّ فقال : إنّ اللّه تبارك وتعالى بيّن حجّته من سائر خلقه ،
--> ( 1 ) الطيالسة : جمع طيلسان - بفتح اللام وضمّها - وطيلس أيضا - كزينب - وهو ضرب من الأكيسة أسود ، فارسي معرب - وجاء في جمعه طيالس أيضا ( شرح شافية ابن حاجب : 2 / 186 ) . ( 2 ) في المخطوط : « منزله » بدل « المستعين » . ( 3 ) الهملجة : مشي شبيه الهرولة ( مجمع البحرين ) . ( 4 ) في المطبوع : « المحجّة » بدل « الهملجة » . ( 5 ) في المطبوع : « راحة » بدل « فراهة » . ( 6 ) الكافي : 1 / 507 / 4 ، الإرشاد : 2 / 327 .