طه عبد الرحمن
92
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
الأخذ بكل مناهج العقل ونتائج العلم التي جاء بها النمط المعرفي الحديث ، ذلك أن هذه المناهج والنتائج أشبعت ، من حيث يدري المتخلّق أو لا يدري ، بمذهب واضعيها في العقل والعلم ؛ ومن هنا ، فلسنا نعترض على هذه المناهج والنتائج لمجرد نسبتها إلى هؤلاء الواضعين من حيث إنهم غير مسلمين أو غير متدينين ، فذاك أمر لا يقول به عاقل ؛ وإنما لأن مذهبهم فيها يقوم على مبادئ لا يمكن للمتخلّق بأخلاق الدين أن يقبلها أو يدعو إلى قبولها . 1 - أزمات النمط المعرفي الحديث 1 . 1 . أصول النمط المعرفي الحديث لقد قام النمط المعرفي الحديث منذ نشأته في مطلع القرن السابع عشر على أصلين اثنين يقضيان بقطع الصلة بصنفين من الاعتبارات التي يأخذ بها كل متدين . أما الأصل الأول ، فيمكن أن نصوغه كما يلي : " لا أخلاق في العلم " ؛ مقتضى هذا الأصل أن لكل واحد - أو جماعة - أن يضع بنيان نظريته بحسب ما شاء من القرارات المعرفية والإجراءات المنهجية ما عدا أن يجعل فيها مكانا للاعتبارات التي تصدر عن التسليم بقيم معنوية مخصوصة أو عن العمل بقواعد سلوكية معينة . وأما الأصل الثاني ، فيمكن أن نصوغه كما يلي : " لا غيب في العقل " ؛ مقتضى هذا الأصل أن لكل واحد - أو جماعة - أن يركّب من العلاقات ويقيم من البنيات ما شاء ما عدا أن تكون بعض العناصر المرتبطة بهذه العلاقات أو الداخلة في هذه البنيات لا تفيد تحقيقات التجربة الحسية ولا تقديرات العقل المجرد في الإحاطة بكنهها أو بوصفها . 1 . 1 . 1 . أزمة الصدق : لقد تفرع على الأصل الأول الذي يقول بفصل العلم عن الأخلاق المبدآن المشهوران : أ . مبدأ الموضوعية ، وهو يقضي بأن يكون النظر العلمي مستقلا كل الاستقلال
--> - " سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل اللّه له طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " .