طه عبد الرحمن

83

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

ماديا ؛ فالمتخلّق ، على سبيل المثال ، مطالب ، بمقتضى هذا الرتبة الرفيعة ، بأن ينظر بعين التعظيم للحجر الذي يميطه عن طريق غيره ، كما هو مطالب بأن لا يلعن الزمن الذي هو فيه ؛ هذا إذا لم يسم به هذا التخلق درجات ، فيجعله يرى في الحجر والزمن طاقة روحية تماثل طاقته في طلب القرب من الخالق والامتنان له ؛ فإذن الفعل الخلقي يحيط بكل شيء إحاطة أشبه بإحاطة الخالق بمخلوقاته ، إذ لكل خلق ( بفتح الخاء ) حقّ أو حقوق خلقية ( بضم الخاء ) تخصه . والآن بعد أن عرضنا المبادئ الأربعة التي عليها مدار خصائص التخلّق المؤيّد ، فلننظر كيف أن هذه المبادئ تخرج الفعل الخلقي من التضييق الذي تعرض له في حضارة القول . فقد قلنا بأن مبدأ الإيجاب يجعل للفعل الخلقي وجوبا كوجوب الفعل القانوني ، فهو إذن فعل لا يمكن الاستغناء عنه ، فحيثما أمكن وجوده ، فقد وجب هذا الوجود ؛ فيلزم إذن أنه لا يمكن محو هذا الفعل من البرهان المنطقي ولا من السلطان المعرفي متى أمكن وجوده فيهما . وقد ذكرنا أيضا بأن مبدأ التكثير يجعل من الفعل الخلقي الواحد أفعالا كثيرة ، بمعنى أن هذا الفعل لا يبقى على حال واحدة ولا في مكان واحد ، فهو يتوالد ويتشعب بحيث يفضي هذا التوالد والتشعب إلى أن تنشأ مواضع اتصال ومناطق تداخل بين مختلف الأفعال التي يأتيها المتخلّق ، مواضع ومناطق ينتج عنها مزيد التفنن في التخلق ؛ فحينئذ ، لا يبعد أن يصير ما لم يكن يحمل من قبل أثرا خلقيا قابلا لأن يقوم به الخلق ، زيادة أو نقصانا . وأشرنا كذلك إلى أن مبدأ الترتيب يجعل الفعل الخلقي الواحد طبقات متفاوتة ينتظمها قانون خاص بها ، أي أنه يصبح محصّلا لمنطق متميز يورّثه قوة واستقلالا ؛ وعندئذ ، لا يقدر فعل آخر أن يطويه أو يغطي بعضه ، بله أن يمحوه ويشغل مكانه ، فيتبين إذن أن هذا الفعل ذا الطبقات المنتظمة قادر على أن يصمد في وجه كل اغتصاب لمجاله أو انتهاك لحقوقه . وأخيرا قلنا بأن مبدأ الاتساع يجعل الفعل الخلقي نافذا في كل شيء ، بمعنى أنه لا شيء يخلو من سبب أو أسباب يتوسل بها المتخلّق في مزيد التخلق ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يدخل كلّ شيء في محيط الفعل الخلقي ، سواء كان ممارسة لأمر برهاني أو مزاولة لشأن سلطاني .