طه عبد الرحمن
81
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
2 - خصائص التخلّق المؤيّد والخروج من آفة التضييق نحتاج إلى أن نذكر هنا أربعة مبادئ تتفرع عليها خصائص التخلّق المؤيّد ، وهي : 2 . 1 . مبدأ الإيجاب ليس الخلق في مرتبة التخلّق المؤيّد فعلا ترفيا يستوي عند المتخلّق أن يأخذ به أو لا يأخذ به ، ولا هو فعل تكميلي يجوز التزين به أو لا يجوز ، ولا هو فعل حاجي توجد التوسعة بوجدانه والمشقة بفقدانه ، بل هو فعل موجب إيجاب الفعل القانوني ، أي أنه مثله لا يجوز تركه ، وفي تركه مهلكة للفرد والجماعة معا ؛ وإذا كانت علامة الواجب هو تعرّض تاركه للعقاب ، فإن تارك الفعل الخلقي في مرتبة التأييد يستلزم العقاب ، لكن بالطبع لا تشرف بالضرورة على هذا الجزاء سلطة خارجية ذات جهاز جنائي ، وإنما تشرف عليه سلطة داخلية ذات توجيه إلهي ، فيعاقب ( بفتح القاف ) التارك ، لا بإجراء مؤذ لبنيته وبدنه - لأن هذا الإجراء ولو أنه يقع ، فلا يكون مقصودا لذاته - ، وإنما يعاقب بالبعد عن مقصوده الروحي ، أو باختصار إن الفعل الخلقي في مرتبة التخلّق المؤيّد هو واجب يعاقب على تركه بالبعد الروحي كما يعاقب تارك الفعل القانوني بالقسر البدني . 2 . 2 . مبدأ التكثير ليس الخلق في مرتبة التخلّق المؤيّد صورة واحدة لا تتعدد ، وإنما هو فعل تدخله الكثرة من كل جانب ، فيصير أفعالا عدة ؛ وحتى نوضح ذلك ، نضرب مثالا بفعل النية ، فالمتخلّق هنا لا يكتفي بالنية الواحدة في الفعل الواحد في ظاهره ، بل يجتهد قدر المستطاع في تعديد نيّاته وتنويعها ، كأنما يقوم بتجزئة الفعل الواحد إلى أفعال فرعية متعددة متعلق بعضها ببعض ، مؤديا كل واحد منها بنية تخصه ، كل ذلك طمعا في أن تمكّنه هذه النيات الكثيرة على تحصيل مزيد التقرب من مقصوده ومزيد الترقي في مراتب التخلق . ولما كان الفعل الخلقي مبناه في هذه المرتبة الدينية على ثلاثة أركان هي : الوقت ، وهو زمان حصول الفعل « 5 » ، والحال ، وهو الأثر الروحي لهذا الفعل ،
--> ( 5 ) من الأقوال المأثورة والمنسوبة إلى الأخلاقية الكبيرة رابعة العدوية قولها : " إنما أنت أيام ، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك " .