طه عبد الرحمن
73
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
وإذا استوفى المتخلّق هذه الشروط الثلاثة : " عدم انفكاك القول عن الفعل " ، و " عدم انفكاك المعرفة بالله عن العلم بالأشياء " ، و " عدم انفكاك الزيادة في المعرفة عن الفائدة " ، صارت أفعاله في تغيرها وخصوصيتها وسائل موصّلة توصيلا حقيقيا إلى المقاصد النافعة ، أو قل صارت وسائل ناجعة . ولهذا ، يكون هذا المتخلّق قد جاوز مرتبة التسديد التي لا تحصّل إلا المقاصد النافعة ، ونزل مرتبة تعلوها عقلانية نسميها باسم " مرتبة التأييد " ؛ فالعقل المؤيّد ( بفتح الياء المشددة ) هو إذن العقل الذي اهتدى إلى تحصيل الوسائل الناجعة ، فضلا عن تحصيل المقاصد النافعة . وحتى نستدل على رسوخ هذا العقل في العمل - هذا الرسوخ الذي يمده بوصف النجوع المطلوب في وسائله - نذكر الوجوه التي يحوّل بها العقل المؤيّد تصورات العقل المجرّد وتصورات العقل المسدّد ل " الأخلاق الدينية " إلى معان عملية : 2 . 3 . 2 . آثار تحصيل النجوع في الوسائل : معلوم أن مدرك العقل المجرد من الأخلاق الدينية عموما هو أنها جملة من الأحكام التي يقدر المتخلق على تمييزها والتعرف عليها كما يقدر على إنزالها على أفعاله ؛ وواضح أن هذا التصور للأخلاق هو تصور نظري ، إذ أن معنى " القدرة على التمييز " ومعنى " القدرة على الإنزال " يظلان معنيين نظريين يقفان عند حدود بيان استعدادات المتخلق . أما في العقلانية المؤيّدة ، فإن معنى " القدرة على التمييز " يخرج إلى معنى عملي هو " تلقّي الخطاب " ومعنى " القدرة على الإنزال " يخرج إلى معنى عملي آخر هو " تحمّل الرؤية " ، وتوضيح هذا كما يأتي : * تلقي الخطاب ؛ مقتضاه أن المتخلق يعلم أن الحق يخاطبه في كل شيء ، وأن هذه المخاطبة مستمرة باستمرار حياته ، وأن نص هذا الخطاب ، إن حفظ على شكل رسوم في الصحف المطهّرة ، فمعانيه مودعة في نفس المتخلّق وفي الأكوان من حوله ، وأن هذه الأكوان ما قامت ولا استقامت إلا بهذه المعاني الإلهية التي على المتخلّق واجب طلبها والتعرف عليها والتقرب بها إلى حضرة اللّه . * تحمّل الرؤية ؛ مقتضاه أن المتخلّق يعلم أن اللّه يراه رؤية لا تنقطع ، وأن هذه الرؤية ، إذا جاءته بالرضى عن أفعاله ، سعد سعادة لا يشقى بعدها ، وإذا جاءته بالسخط ، شقي شقاوة لا يسعد بعدها ؛ لذلك ، فهو مطالب بأن يراقب نفسه ويراقب