طه عبد الرحمن
71
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
للضرر من غيرها ، لزم أن ينفتح للمتخلّق بها طريق إدراك المقاصد النافعة ، لأن هذا التخلق يلقي في فهمه ما يبصّره بهذه القيم العليا . وبفضل هذا الإدراك ، يكون المتخلّق بها قد جاوز مرتبة التجريد التي تحصّل من المقاصد ما قد يكون غير مأمون الجانب وغير سليم العواقب ، ونزل في مرتبة تعلوها عقلانية وتفضلها رجاحة ، نسميها باسم " مرتبة التسديد " ، فالعقل المسدّد ( بفتح الدال وتشديده ) هو إذن العقل الذي اهتدى إلى معرفة المقاصد النافعة . فحينئذ ، يكون العقل المسدّد قد استوفى الشرط المنصوص عليه في معيار التقويم ، أي الثبات والشمول ؛ لكن ، على استيفائه لهذا الشرط ، لا يمكن الاعتبار بهذا العقل حتى ننظر كيف هو عند استيفاء الشرط المنصوص عليه في معيار الفاعلية المتعلق بالوسائل ، وهو شرط التغير والخصوص . لقد رأينا أن المقاصد معان ثابتة وعامة ، وأن الوسائل التي تتّخذ لتحقيقها أفعال متغيرة وخاصة ؛ وإذا كانت المقاصد عامة والوسائل خاصة ، فلا يلزم من إدراك المقصد النافع إدراك الوسيلة الناجعة ، لأن إدراك الأعم لا يستلزم إدراك الأخص . لذا ، فإن طالب التخلق ، وإن حصّل إدراك المقاصد النافعة ، فقد لا يحصّل إدراك الوسائل الناجعة ؛ وما لم يحصّل اليقين في نجوع وسائله ، فإنه يبقى معرّضا لآفات مختلفة ، نذكر منها آفتين جامعتين اثنتين هما : " آفة التظاهر " و " آفة التقليد " . 2 . 2 . 2 . آفات الوقوف عند المقاصد : أما التظاهر ، فهو عبارة عن وصف يقوم بالمتخلّق « 6 » عندما يقع التفاوت بين ظاهر الفعل عنده وبين حقيقة القصد منه ؛ ومن أنواعه " التكلف " الذي يقوم في أن يخرج أفعاله الظاهرة عن قصد التقرب بها إلى اللّه إلى قصد التقرب بها إلى الناس ، و " التزلف " الذي هو أن يأتي أفعاله مع إشراك الناس بالله في قصد التقرب بها ، و " التصرف " الذي هو أن يأتي أفعاله مع إشراك النفس بالله في التقرب بها « 7 » . وأما التقليد ، فهو أن يعمل المتخلق بقول الغير من دون تحصيل دليل عملي يثبت فائدة هذا القول ؛ ومن أصنافه : " التقليد الاتفاقي " الذي هو أن يعمل بقول
--> ( 6 ) أو قل ، على الأصح وبوجه أدق ، " طالب التخلق " ؛ ولا يندر أن نستعمل هاهنا لفظ " المتخلق " بهذا المعنى ، بحيث يستطيع القارئ أن يتبيّنه من السياق . ( 7 ) واضح أن المقصود ب " التصرف " هنا ليس مجرد الإتيان بالفعل ، وإنما الاعتداد به إلى حد العجب والغرور .