طه عبد الرحمن

65

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

و " الاسترقاقية " و " الفوضوية " « 3 » . أ . النسبية : إذا كان من المقاصد النافعة أن تكون قوانين العقل مشتركة وكلية وواحدة عند العقلاء جميعا ، فإن واقع المنهج العقلي العلمي يشهد بغير ذلك ؛ فمعلوم أن المنطق هو العلم الذي يشتغل بدراسة قوانين العقل المشتركة والكلية ، فإذا نحن تفحصنا أطواره وأبوابه ، وجدنا أنه يشتمل على أصناف متكاثرة ومتغايرة من القواعد والمسلمات وبالتالي من الأنساق والنظريات التي تبنى عليها ، بحيث ما يصح في هذا النسق - أو هذه النظرية - قد لا يصح في ذاك - أو تلك - والعكس بالعكس ؛ هذا بالإضافة إلى الاختلاف المشهور بين " الهندسة الإقليدية " و " الهندسة اللاإقليدية " في العلوم الرياضية وكذلك بين " نظرية المكان المطلق " و " نظرية النسبية " في العلوم الفيزيائية . وإذا كانت طرق العلوم بمثل هذا التكاثر والاختلاف ، فإن إنشاء خطاب علمي عن العقل الإنساني بوصفه حقيقة واحدة مشتركة بين الناس لا يمكن اعتباره مقصدا من المقاصد التي يتوخاها المنهج العقلي العلمي الحديث . ب . الاسترقاقية : إذا كان من المقاصد النافعة أيضا أن تؤدي المناهج العلمية إلى تحرير الإنسان وتوسيع إمكانات وآفاق إسعاده ، فإن إمعان النظر في الأحوال التي تتقلب فيها المناهج التقنية تظهر لنا أن هذه الآمال الزاهية بعيدة كل البعد عن التحقق ؛ والسبب في ذلك أن هذه التقنيات توالدت وتكاثرت على جميع المستويات وفي كل الاتجاهات ، منشئة بذلك كونا تقنيا خاصا يحتوي الإنسان احتواء ، ويستحوذ على إرادته وتغيب آفاقه عن عقله أو ، إن شئت قلت ، يسترقّه ، بعد أن كان هذا الإنسان يمنّي النفس بأن يسخر الكون له تسخيرا . وما هذا الانقلاب على الإنسان إلا لأن التقنيات أخذت تستقل بنفسها وتسير وفق منطقها الخاص بغير بصيرة من الإنسان ، وقوام هذا المنطق الآلي مبدآن : أحدهما ، مبدأ لا عقلاني ، ومقتضاه : " أن كل شيء ممكن " ، مما يؤدي إلى أن تستبيح الآلة كل شيء في الإنسان .

--> ( 3 ) لترجع إلى كتابنا : العمل الديني وتجديد العقل ، فلقد استفدنا جزءا هاما من الأفكار المعروضة هنا من هذا الكتاب ، بحيث يكون هذا الفصل عبارة عن زيادة في التبيين لما جاء فيه من دعاوى عن مسألة العقل والتدليل عليها من وجهة نظر جديدة هي ، على التعيين ، " النظرة المقاصدية " التي نرجو ، بإذن اللّه ، أن يطول بنا العمر حتى نوفيها حقها من البحث .