طه عبد الرحمن

59

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

الفصل الثاني حدود العقلانية المجردة : كيف يمكن التصدي لها أخلاقيا ؟ من الصفات التي صارت تنعت بها الحضارة الغربية الحديثة بين جمهور المتفلسفة هي أنها حضارة منكفئة على " اللوغوس " في دلالته اليونانية الأصلية أو بإيجاز أنها " حضارة لوغوس " ؛ ومعلوم أن لفظ " اللوغوس " يفيد معاني في غاية الكثرة ليس هذا مقام تفصيلها ، حسبنا منها هاهنا معنيان اشتهرا أكثر من غيرهما ، وهما : " العقل " و " القول " ؛ فحينئذ ، تكون الحضارة الحديثة حضارة ذات وجهين : " حضارة عقل " و " حضارة قول " ؛ لكن الوجه الذي شغل الناس عموما والمتفلسفة والحداثيين خصوصا أكثر من الآخر إلى حد الافتتان به ، هو كونها " حضارة عقل " ؛ وتجلى هذا الافتتان في رفع " الخاصية العقلية " - أو ، بالاصطلاح المعروف ، " العقلانية " - إلى أعلى مرتبة من مراتب الإدراك الإنساني كما تجلى في الميل إلى تخصيص أهل الغرب بها ، حتى كأن غيرهم ، إن لم يحرموا منها كليا ، فلا أقل من أنهم لم يعرفوها في خلوصها وإطلاقها كما يعرفها هؤلاء ؛ وما حصل بصدد الوجه العقلي من الحضارة الحديثة من الانشغال والافتتان حصل ما يشبهه بصدد الوجه القولي من هذه الحضارة ، إلا أن حصول هذا الشبيه كان متأخرا عن الأول بزمن طويل كما أن مداره لم يكن خاصية مقابلة للخاصية العقلية ، بحيث لا نجد عند أهل الحداثة مفهوم " القولانية " كما نجد مفهوم " العقلانية " لكننا نجد لديهم مفهوما يضاهيه ، وهو مفهوم " الإعلامية " ، وقد صار اليوم بدوره موضع انشغال وافتتان كبيرين من لدن هؤلاء . وقصدنا هنا أن نتأمل في هذين الوجهين للحداثة : الوجه العقلي والوجه القولي ، فنقوّمهما على مقتضى أخلاق الدين الإسلامي ، مبرزين ، على وجه الخصوص ، النقص الذي يقوم بالوجه الأول والظلم الذي يقوم بالوجه الثاني ، بحيث تكون الحضارة الحديثة من حيث هي حضارة عقل حضارة ناقصة وتكون من