طه عبد الرحمن

52

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

عن عادتهم في وضع الأخلاق في المرتبة الثالثة من مراتب المصالح الإنسانية ، ثم أن يباشروا تجديد النظر في كثير من أحكامهم في المصالح ، هذا إن لم يتعين عليهم مراجعة الأصول نفسها التي بنوا عليها نظريتهم في المقاصد ؛ وإما أن يبقوا على عادتهم في حفظ الرتبة الثالثة للأخلاق وحفظ الرتبة الأولى للدين ؛ وعندئذ ، يلزمهم أن يقروا بأن تبعية الأولى للثاني ، إما أنها ليست تبعية ضرورية ، وإنما تبعية جائزة ، بمعنى أن الفعل الخلقي قد يدخل في الفعل الديني وقد لا يدخل فيه ، وإذا لم يدخل فيه ، فإن ذلك لا يضر به ( أي بالفعل الخلقي ) كما لو كان بين الفعلين عموم من وجه وخصوص من وجه ؛ وإما أن المراد بهذه التبعية في الأصل هو عكسها ، بمعنى أن الفعل الديني هو الذي يدخل في الفعل الخلقي ، فحينئذ يشبه موقفهم موقف بعض المتكلمة والمتفلسفة . والصواب أن الدين والأخلاق شيء واحد ، فلا دين بغير أخلاق ولا أخلاق بغير دين ، ولا يمكن أن نتبين هذه الحقيقة إلا إذا تخلصنا من اعتقادات شائعة عن الدين والأخلاق ، ونخص بالذكر منها ثلاثة : 4 - 1 - الأصل في الدين حفظ الشعائر الظاهرة ليس من شك أن أداء الشعائر واستخدام الجوارح في أدائها والدوام على هذا الأداء الحسي أمور يقوم عليها كل تدين ، أيا كان ، لكن أن تصير هذه الأمور مطلوبة لذاتها ، حتى يظن أن الدين كله ينحصر في المظاهر الخارجية لهذا الأداء الشعائري ، فهو ما لا يمكن أن يتفق أبدا مع مقصد الحقيقة الدينية ؛ فواضح أن الغرض من الشعيرة ليس هو الشعيرة نفسها ، وإلا اندفع القائمون بها في الجمود عليها بدون موجب معقول ، جالبين لأنفسهم تهما تضر بدينهم أكثر مما تضر بهم ، كأن يرموا بالتعصب والتطرف ، وإلا فبالتخرّف يرمون ، ما دام ظاهر الشعائر يظل عندهم وعند خصومهم في حكم ما هو غير معقول ؛ وإنما الغرض من الشعيرة هو ما يتركه أداؤها من آثار مخصوصة في القائم بها تنقله من الحال التي هو عليها إلى حال أخرى تفضلها ، وهذه الآثار التي منها الجلي ومنها الخفي هي التي ينبغي من جهتها أن نطلب معقولية هذه الشعائر ، بحيث تكون الشعائر معقولة ، لا بظواهرها ، وإنما بآثارها ؛ وتوضيح ذلك أن هذه الآثار يمكن رصدها وفحصها وتبيّن فوائدها وتوقع عواقبها ، وليس مقتضى المعقولية إلا هذه القابلية للمشاهدة والمقارنة والتحليل والاستنتاج ، وهي حاصلة هنا حصولها فيما هو معقول بذاته ، لا بنتيجته .