طه عبد الرحمن
50
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
تاريخ الإنسان القديم ، فنتبين كيف أن الدين صحب أطوار وجوده الأولى ، فأمده بما يجاوز واقعه من سامي المعاني ، ولكن الذي يهمنا هو أن نتأمل كيف يمكن في سياق القول بأنه لا لزوم للقيمة من الواقع - كما هو قول " هيوم " في جانبه المتعلق بالخبر الحسي - أن يعرف الإنسان هذه القيمة ؛ فلو أننا قدرنا أن الإنسان أخذ يركم الوقائع التي في نفسه أو التي من حوله بعضها فوق بعض وبقي على هذه الحال ما شاء من الزمان وكان غيره ظهيرا له في هذا كله ، فليس بوسعه إطلاقا أن يستخرج من ركامه إلا وقائع حسية متعددة أخرى أو واقعة حسية واحدة تجمعها يسميها " العالم " ؛ فعندئذ ، لا يبقى إلا أن نفترض وجود طريق آخر غير طريق الواقع يكون بمقدوره أن يمدنا بمعرفة القيمة ، ناهيك عن معرفة القيمة الخلقية ، ولا يمكن أن يكون هذا الطريق الآخر هو طريق الخيال ، لأن الخيال لا معرفة معه ولا يقين فيه ، فضلا عن أنه يضع أشياءه على مثال أشياء العالم الواقعي ، بحيث يكون الخروج إليه خروجا إلى وقائع متخيّلة ، وليس إلى قيم متحقّقة ؛ فلا يبقى إلا طريق الوحي ، فهو الخبر الذي ، إن لم يكن قيمة كلّه ، فلا أقل من أنه يؤلف بين الوجود والقيمة على الدوام . لذلك ، وجد " هيوم " نفسه مضطرا إلى أن يفترض وجود " حس خلقي " مبثوث في نفس الإنسان له تعلق بالقيم وحدها ، حسّ لا يعمل بعمل العقل الذي له تعلق بالوقائع وحدها ؛ بيد أنه أوهمنا أنه اهتدى إلى هذا الافتراض بمحض النظر العقلي الفلسفي ، وقد بينا آنفا أن هذا غير صحيح ، إذ اقتبسه إما من النصوص المقدسة أو من نصوص رجال الدين ؛ بل إنه ، بموجب منطق فكره ودعواه ، لا يمكن أن يصح ذلك أبدا ، فقد زعم أن العقل لا يوصّل إلى إدراك القيمة ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف بعقله هو يوصّله ، لا إلى إدراك مفهوم " القيمة " فحسب ، بل أيضا يوصّله إلى معرفة مصدر القيم جميعها ، والذي يسميه " الحس الخلقي " ؛ فيا ترى هل الذي يعجز عن الشيء لا يكون عن سببه المحدث له أعجز ! وعليه ، فلا مفر إذن من التسليم بأن الخبر الإلهي هو المصدر الحقيقي للعلم بالقيمة الخلقية كما أن الفعل الإلهي هو السبب الحقيقي للشعور بها في الوجدان ؛ وهل يماري في هذا إلا من أراد أن ينسب إلى الإنسان ما تنبغي نسبته إلى الإله ، واقعا في ما يشبه " تأليه الإنسان " أو على العكس " تأنيس الإله " !