طه عبد الرحمن

44

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

جاء في نص " هيوم " المذكور أعلاه - هو جملة أحكام خبرية أو وجودية ، ومعلوم أن النظرية ليست إلا نسقا متكاملا من القضايا الخبرية ؛ والجهة الثانية أن هذه الأحكام الدينية هي عنده افتراضات وضعها الإنسان من لدنه لكي يفسر بها تجربته في العالم بعد أن فشل في الظفر بالعلة الطبيعية التي تفسرها له ، إذ يلجأ إلى الإيمان بوجود إله يجعل منه العلة الأولى لأحداث الحياة وظواهر الكون من حوله ، متعاطيا لعبادته « 39 » ؛ ومعلوم أن قضايا النظرية إنما هي الأخرى عبارة عن افتراضات تقبل التحقيق أو التنتيج . بينما حقيقة الدين أنه أشبه بالمؤسسة منه بالنظرية ، بل هو أصلا مؤسسة ؛ ومقتضى المؤسسة أن تكون مجموعة أحكام ومعايير تحدد كيفيات العمل من أجل تلبية حاجات معينة ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، لزم أن يتضمن الدين إلى جانب الأقوال التي تخبر عن الموجودات ، حسية كانت أو غيبية ، أقوالا وجوبية - أو كتبية - تحدد العلاقات بين هذه الموجودات ، جلبا للمنفعة ودفعا للمضرة ؛ والأقوال الوجوبية التي تجلب النفع وتدفع الضرر لا تكون إلا أقوالا أخلاقية ، فيلزم أن يكون الدين أخلاقيا بقدر ما هو إخباري . ليس هذا فقط ، بل أيضا قد يكون الخبر في الدين خادما للأخلاق أو تابعا لها ؛ فحينئذ ، يكون حمله على وجه الإيجاب - أو الكتب - أولى من حمله على وجه الإخبار ، فضلا عن أن الخبر ، عموما ، قد يصرف ، في مقام معين من مقامات الكلام ، عن ظاهره ، فيكون في معنى الإيجاب أو الكتب ؛ فمثلا ، إذا قال القائل : " يأمر الإله بأن أفعل كذا " ، فليس مراده هو إخبار غيره بواقع محدد هو : " وجود أمر الإله إليه بفعل مخصوص " ، حتى يحق للمخاطب أن يصدّقه أو يكذبه ، لأنه يعرف أن هذا المخاطب عالم بأوامر الإله ونواهيه ، وإنما مراده هو استنهاض همته هو نفسه للقيام بهذا الأمر الإلهي ، بحيث يصير " وجود هذا الأمر " هنا في معنى " وجوب الفعل " ؛ وعليه ، يجوز أن يفيد القول : " يأمر الإله بأن أفعل كذا " ما يفيده القول : " يجب أن أفعل كذا " . وهنا قد نأخذ بعين الاعتبار شيئا آخر ، وهو أن الأوامر الإلهية تمتاز بخاصية لا توجد في الأوامر الإنسانية ، وهي أنها أوامر مطاعة بالضرورة إن عاجلا مع وجود

--> ( 39 ) انظر : . ellerutan noigiler al rus seugolaiD : . D , EMUH