طه عبد الرحمن

29

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

الفصل الأول مكارم الأخلاق : ما حقيقة صلاتها بالدين ؟ ليس غرضنا من هذا السؤال الأخلاقي الأول والأهمّ ، كما قد يسبق إلى بعض الأذهان ، الاشتغال بعرض وتحليل آراء المتقدمين من علماء الإسلام في الصلة بين الدين والأخلاق ، ولا سيما أن مفهوم " مكارم الأخلاق " قد ترسّخ في الممارسة الإسلامية بما لا مزيد عليه « 22 » ، وإنما غرضنا من هذا السؤال ينحصر في الاشتغال بالإجابة عليه على طريقة الفلاسفة ، وذلك من خلال استشكالنا للدعاوى الأساسية التي تعلقت به في نطاق الفلسفة الغربية ، وعلى الخصوص الاتجاهات الحديثة منها ؛ وإذا نحن استعملنا التعبير المركب : " مكارم الأخلاق " ولم نكتف باستعمال اللفظ المفرد : " الأخلاق " ، فذلك للاعتبارات الثلاثة الآتية : أولها ، أن من نظروا في الصلة بين الأخلاق والدين من فلاسفة الغرب ، كانت تشغلهم أساسا العلاقة بين الأخلاق الكريمة - أو قل الفضائل - والدين ، وليس العلاقة بين عموم الأخلاق - بما فيها الرذائل - والدين ، وفي هذا إشارة إلى أنهم كانوا يبنون أحكامهم فيها على أصل مضمر في نفوسهم ، وهو أن الدين لا يمكن أن يكون إلا مصدر الأخلاق الحسنة ، وإلا فلا أقل من أنه لا يستحق أن يقارن إلا بهذه الأخلاق وحدها ، حتى بين أولئك الذين يحشرون أنفسهم ضمن العلمانيين الذين يخاصمون الحقيقة الدينية . والاعتبار الثاني أننا من جانبنا نأخذ في باقي كتابنا بهذا التقليد العفوي ، فنستعمل لفظ " الأخلاق " مجرّدا للدلالة على مكارم الأخلاق وحدها ، ومتى أردنا العبارة عن أضدادها خصصنا هذا اللفظ بواحد من الأوصاف المناسبة ، لذلك ارتأينا أنه من الأنسب أن نورد مفهوم " الأخلاق " في السؤال الأول من أسئلة هذا الكتاب

--> ( 22 ) انظر الحديث الشريف الذي صدرنا به الكتاب .