طه عبد الرحمن

13

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

مقدمة الكتاب أيهما أخص بالإنسان : العقلانية أو الأخلاقية ؟ ما أشد غفلة الإنسان الحديث حتى كأنه ، على ظاهر تقدمه العلمي والتقني الهائل ، إنسان جهول ! ألا ترى كيف أنه يقدّم قليل النفع على كثيره ، إن لم يقدّم صريح الضرر على صحيح النفع كما يفعل الجهلة من الخلق ؟ وهل في الضرر أسوأ من أن يدعو إلى حقوق وحظوظ تخرجه من رتبة الإنسانية وتنزل به إلى درك البهيمية ، محتجا في ذلك بأنه يتّبع طريق العقلانية الواضح الذي هو وحده عنوان الإنسانية ؟ لكن لو كان ما يدعيه هذا الإنسان صحيحا ، فيا ترى كيف بالطريق العقلاني الذي يتّبعه يفضي به إلى نقيض مقصوده ؟ ألم يكن يريد أن يزداد به استقامة ، فإذا هو يزداد اعوجاجا ؟ بلى . وهل ، بعد هذا ، نستغرب أن هذا الإنسان ، كلما استحدث شيئا ، سابغا عليه أوصاف الكمال ، ما لبث أن تأذى منه بوجه من الوجوه ، فيمضي إلى إصلاحه بنفس الطريق العقلاني الذي استحدثه به ، غير معتبر بانقلاب المنفعة التي كان يرجوها منه إلى مضرة لم تكن في حسبانه ؛ ثم إنه لا يكاد يفرغ من هذا الإصلاح ، حتى تبرز في هذا الشيء أسباب أخرى من الأذى يحتاج إلى العمل على صرفها ، وهكذا دواليك . وهل نستغرب أيضا أن يعمد بعضهم - مكابرة منهم - إلى قلب الحقيقة ، جاعلين من الضعف قوة ومن النقص كمالا ، فينسبون إلى العقل ما كان ينبغي أن ينسب إلى نقيضه - أي الجهل - ، فيرون أن ميزة العقل الإنساني أنه لا يملك اليقين بنفع لا ضرر فيه ، ولا بصواب لا خطأ معه ؛ والحال أن هذا لا يصدق إلا على القوة العقلية من قوى الإنسان التي هي من جنس قوة الإدراك التي تتمتع بها البهيمة ؛ فمعلوم أن البهيمة لا تهتدي إلى أغراضها إلا بعد محاولات متتالية تخطئ فيها أكثر مما تصيب ، وحتى إذا أصابت ، فلا تضمن لنفسها أنها لا تعود إلى الخطأ مرة ثانية ،