أسعد السحمراني
76
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
وأن الإنسان عليه أن يكون زاهدا بمطالب الجسد ، لا بل عليه أن يقمعها ويتجاوزها ليحقّق إنسانيته الفاضلة عن طريق الحكمة ، والشوق الدائم إلى الاتصال بالحقائق الأزلية في عالم المثل . ولذلك يجب أن يكون الموت طموحا عند الحكيم الفيلسوف ، ويجب أن تكون السمة الأساسية للفيلسوف هو ذلك العمل الجادّ المتواصل من أجل تحقيق عملية فصل النفس عن الجسد وإبعادها عنه . الموت هو محطة انفصال النفس عن سجنها ، وفيه تتحقّق للنفس الفضيلة الحقّه اللائقة بها ، ولذلك نرى « الذين يشتغلون بالفلسفة بمعناها الحقيقي أنهم يتدرّبون على الموت ، وأن يكون الإنسان ميّتا تكون أقلّ رهبة لديهم من بقية الناس . . . أليس الرجل الذي تراه يغضب ساعة الموت هو ذلك الّذي لا يحبّ الحكمة ولكنه يحبّ الجسد ؟ . » « 1 » . وفق هذا المفهوم نرى أن أفلاطون قد رأى خير النفس وفضيلتها في خلاصها من سجنها البدن ، ولذلك « اقتضت حياة الفضيلة الانصراف من عالم الحسّ وشؤونه إلى هدوء التأمل الفلسفي ، وإذا صح كانت الفلسفة - أي معرفة المثل - هي المقدّم الوحيد للخير الأقصى » « 2 » . الفلسفة هي المقدمة للخير الأقصى ، ولسيادة عالم القيم ، ولكنها ليست كافية وحدها ، وهنا يخالف أفلاطون أستاذه سقراط ، فلقد اعتبر سقراط الحكمة والمعرفة طريق تحقيق الفضيلة ، بينما أفلاطون يقول بأن الخير والفضيلة يحتاجان إلى الحكمة مقترنة بعمل تكون الإمرة فيه للنفس وليس للبدن . المعارف يمكن نقلها من عقل إلى آخر بالتعليم المستند إلى البراهين والأدلة ، ولكن الفضيلة تحتاج إلى علم مقترن بموقف ، وقدرة على ضبط الجسد وإزالة كل الحواجز عن طريق تطهير النفس . « إن العلم وحده لا يكفي لكي يصبح المرء فاضلا ، فقد يعرف الإنسان الشّرّ ويأتيه ويعرف الخير ولا
--> ( 1 ) أفلاطون ، فيدون ، م . س ، ص 39 . ( 2 ) الطويل ، د . توفيق ، م . س ، ص 59 .