أسعد السحمراني
68
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
المعرفة عند سقراط هي أساس الحكمة ، والحكمة هي سبيل الوصول إلى الخلق السليم ، ومعرفة النفس تأتي في مقدمة هذه المعارف ، لأن معرفة النفس ، بما في طبيعتها من خير ومعرفة قدراتها ، تجعل الإنسان يدرك موقعه من الآخرين ، وبذلك تستقيم علاقته بهم . أمّا « الذي لا يعرف نفسه ويسرف في استعمال ملكاته وقواه ، فإنّه لا يعرف أن يقدّر الأشخاص ، بل ولا الأشياء ، ولا يخرج من خطأ إلّا ليقع في خداع ، فلا يصل إلى خير ، وينوء كاهله بالشقاء » « 1 » . إن الإنسان الذي يعرف نفسه تمام المعرفة ويسبر غورها ، يكتشف طبيعتها الخيّرة ، فلا يصدر عنه شرّ ، وينال السعادة لأنّ الحكمة هي طريق السعادة . ويصرّح سقراط بأن الإنسان ليس شريرا بطبعه ، وبالتالي فإنّه لا يفعل الشرّ بإرادته . وهذا ما دفعه إلى إعفاء الأشرار من نتائج أعمالهم ، لأنّهم لم يقصدوا الشرّ ، وإنما حصل ذلك بسبب جهلهم الأساليب المؤدّية إلى النتائج الخيّرة ، وما علينا إلّا أن نصحّح لهم معلوماتهم كي يصبحوا في عداد الأخيار . وفق هذا المعنى تصبح الفضيلة هي المعرفة الحقّة ؛ أي الحكمة . وإذا كانت الفضيلة هي أثمن شيء في الوجود ، وبواسطتها تتحقّق السعادة للإنسان ، فإن السعادة المطلوبة عند سقراط ليست تلك التي تأتي عن طريق الحظ ؛ أي مصادفة ، بل هي السعادة التي تتحقق بالعلم والفضيلة . إنّ أساس السعادة هو تحرير الإنسان من عالم المادّة تمهيدا لتحقيق إنسانيته ، فإنّ الحكمة أيضا هي التي « تحقّق الحرية الحقيقية لأنّها تحرّر الإنسان من قيود الأشياء المادّية ، وهي أساس الحقيقة لأنّها تعبّر عن العقل المتوازن الّذي لا يميل مع الهوى ولا يشطّ في أحكامه » « 2 » .
--> ( 1 ) كرسون ، أندريه ، م . س ، ص 40 . ( 2 ) بدوي ، د . السيّد محمد ، م . س ، ص 40 .