أسعد السحمراني
58
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
ظلّ ما يقارب سبع سنوات يخضع نفسه لأنواع من الرياضيات التي عرفت بنظام « اليوجا » ، فكان يلبس خشن الملبس ، ويأكل ما يسدّ الرمق ، وينام على الخشب . . . الخ . واقترنت عنده هذه المرحلة من حياته بشكل من أشكال نفي الذات ، والتماهي في الآخرين سعيا لإنقاذهم . بعد هذه السنوات شرح صدره وبدأت دعوته وعنوانها : العمل على خلاص الآخرين ، بعد إعلان مذهبه اشتهر باسم « بوذا » ومعناها : المستنير ، أو الملهم العارف بالحقائق . إن مذهب بوذا شابه اللبس والغموض لأنه بقي متداولا على الألسنة ، واعتمادا على الذاكرة ما لا يقل عن أربعة قرون . ولكن ما يمكن تلخيصه هنا من فكره ومذهبه هو أنه قد تغافل عن الحديث في موضع الإله أو مجموعة الآلهة ، وفق المعتقد الهندي وسواه ، وبالتالي لا يظفر الباحث بموقف له من هذه المسألة . لقد صرف « بوذا » جلّ اهتمامه « لحل مشكلات الناس وآلامهم ، وكانت تسير دعوته في الحقيقة على خط الإصلاح الاجتماعي الاقتصادي ، وهذا هو السبب في أن بوذا لم يدع أتباعه إلى ترك الدنيا والتخلّي عن شؤونها ، واتخاذ الرهبانية في الحياة » « 1 » . لقد اهتم بوذا بالحياة العملية للبشر سعيا لإسعادهم ، ولكنه لم يصرف جهدا في موضوعات دينية بحتة رغم أنه صنف نفسه في موقع معاد للهندوكية . فالمهم عنده ليس معرفة اللّه والكون ، وإنما أن يتصف الإنسان بالإيثار ، وحبّ الإحسان للآخرين . وبهذه الطريقة نلاحظ أن بوذا « لم يتعرض لصفات الألوهية ، ولا للمسائل الكونية ، بل إنّه لم يحاول أن يناقش الأحكام الدينية أو الشعائر التي وردت في مجموعة الفيدا » « 2 » .
--> ( 1 ) الندوي ، د . محمد إسماعيل ، م . س ، ص 6 . ( 2 ) بدوي ، د . السيّد محمد ، م . س ، ص 26 .