أسعد السحمراني
56
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
لم يكن ممكنا ترسيخ هذه الصيغة الطبقية الجائرة في حقّ الغالبية من سكان المجتمع لو لم يخترع كهنة البراهمة من أجل « استحكام هذه القوانين الصارمة الظالمة وتحصينها وتثبيتها وترسيخها عقيدة تسمّى : التناسخ ، تلك التي تقنع الجماعات كلّها بأن هذه الطبقات ظهرت من جرّاء أعمالهم في الحياة الأولى ، ونتيجة لها » « 1 » . فالإنسان عند موته تنتقل نفسه لتوّها إلى جسد طفل ولد لحظة وفاته . وعلى أساس هذه القاعدة لا شيء اسمه اليوم الآخر في عقيدة الهندوس ، وإنما ربطوا الثواب بعد الموت بعملية التناسخ التي جعلوها حلّا لمشكلة مصير النفس بعد موت البدن في عقيدتهم ، وفي الوقت نفسه مخرجا لتلك الطبقية التي أراد البراهمة ترسيخها ليبقوا على امتيازاتهم ، ويقنعوا الناس أنهم وحدهم يتمتّعون بنقاوة الجنس التي تجيز لهم الاشتراك مع الآلهة في إدارة شؤون العالم . ويلخّص أبو الريحان البيروني عقيدتهم بالتناسخ في قوله : « إن من استحق الاعتلاء والثواب ، فإنّه يصير كأحد الملائكة ، مخالطا للمجامع الروحانية ، غير محجوب عن التصرّف في السماوات والكون مع أهلها . . وأما من استحقّ السفول بالأوزار والآثام ؛ فإنه يصير حيوانا أو نباتا ، ويتردّد إلى أن يستحقّ ثوابا فينجو من الشدّة ، أو يعقل ذاته فيخلي مركبه ويخلص . وقال بعض من مال إلى التناسخ من المتكلمين ؛ إنّه على أربع مراتب : هي النسخ ، وهو التوالد بين الناس ، لأنّه ينسخ من شخص إلى آخر . وضدّه المسخ ، ويخصّ الناس ، بأن يمسخوا قردة وخنازير وفيلة . والرسخ ، كالنبات ، وهو أشدّ من النسخ لأنّه يرسخ ويبقى على الأيام ويدوم كالجبال ، وضده الفسخ ، وهو للنبات المقطوف والمذبوحات ، لأنها تتلاشى ولا تعقب » « 2 » .
--> ( 1 ) الندوي ، د . محمد إسماعيل ، م . س ، ص 102 ، 103 . ( 2 ) البيروني ، م . س ، ص 59 .