أسعد السحمراني

30

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

إن عملية التنظيم للاهتمامات والحاجات هي مسألة خاصة بالإنسان ، لأنه ميّز بالعقل الذي يجعله قادرا على ضبط سلوكه ، وتقنين صرف طاقاته ، وتلبية رغباته . وبمقدار ما يتمكّن المرء من عمليات الضبط والتنظيم تتسامى قيمه ، وتتحقّق إنسانيته مما يجلب الخير له ولمجتمعه . والإنسان صاحب القدرة على الضبط والتنظيم ، هو القائد الأساسي لعمليات التطوير بحكم استخلافه في الأرض . فالأخلاق ضرورة إنسانية اجتماعية ، وقرينة وجود الإنسان وصلاح أمره . وهذه الضرورة دفعت الشاعر أحمد شوقي إلى اعتبار الأخلاق أساسا هاما في حياة الأمم والشعوب حيث يقول : وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا والأخلاق مختصة بالجماعة البشرية دون سائر المخلوقات لأن « الإنسان ، بين كائنات الطبيعة جميعا ، أقدرها على مراقبة دوافعه ، والعمل على قمعها ، أو هو أحرص على تنظيم بواعثه ، والاهتمام بإبدالها وإعلائها ، وهذا هو السبب في أننا نقول عن الإنسان : إنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يستبدل بالنظام الحيوي للحاجات نظاما خلقيا للقيم . والحقّ أن الإنسان هو : موجود القيم الذي لا يقنع دائما بما هو كائن ، بل يحاول ، في كثير من الأحيان ، تجاوز الواقع من أجل الاتجاه نحو ما ينبغي أن يكون » « 1 » . وعلى هذا الأساس يكون علم الأخلاق علما معياريا ضروريا للإنسان ، مرتبطا به ، وهو ليس تقريرا لوقائع أو ظواهر ، أو استسلاما للأمر الواقع ، وإنما يجب أن تتجاوز اهتمامات المرء فيه الواقع المعاش إلى المثل العليا التي ينبغي أن يسعى إليها ، ويولّد حركة مجتمعية عامة باتجاهها . إن حياة الإنسان يجب أن تكون سعيا إلى أهداف واضحة رائدها السموّ بالإنسان إلى مزيد من الإنسانية ، واعتماد الفكر والعقل مع ضبط الحواس

--> ( 1 ) إبراهيم ، د . زكريا ، م . س ، ص 26 .