أسعد السحمراني

25

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

اعمل ما لا توجد أية جماعة بدونه ، كن اجتماعيا في حياتك » « 1 » . ينشط الضمير في كل فرد محاولا تحريكه باتجاه فعل الخير ، والانخراط مع الجماعة بسلوك متميّز بالعناصر التي سبق ذكرها . والجواب على ذلك يأخذ عند كل إنسان أحد اتجاهين : الأنانيّة ، أو الإيثار والنظرة الجماعية . فبعض الناس يتجهون إلى ذواتهم بالحب ، وبالجهد ، كل ما يفعله هو من أجل « أناه » ، والمصلحة الشخصية عنده هي مقياس الأشياء ، وتحقيق اللذة والمنفعة الخاصة هو معيار جدوى أي عمل بنظره . هذا النوع من البشر تحكم سلوكه ومنهجه الحياتي المقولة الغربية : « بعدي الطوفان » . هؤلاء الأشخاص يجلبون لأنفسهم الكراهية من الآخرين ، وينبذهم المجتمع ، كما أنهم لا يشكلّون شيئا يذكر في ميزان الواقع والتاريخ . إنّهم يسخّرون كل ما يتمكنون من تسخيره من بشر وإمكانات من أجل ذواتهم ، شعارهم في الحياة : « كل شيء لي ولو كان ذلك على حساب الآخرين » . وعلى الجهة المضادة لهؤلاء النرجسيين - عشّاق الأنا - يقف الاجتماعيون الذين يقومون بكل فعل والمعيار المعتمد عندهم مصلحة الجماعة لا مصلحة الفرد ، وهدفهم تحقيق سعادة المجتمع لا لذة الفرد . فقد يتحمّلون الشقاء أحيانا ويكونون مستعدّين للعطاء في أية لحظة إذا كان هذا العطاء يحقق خير المجموع . هؤلاء يعرفون بالإيثار حيث المقياس بنظرهم هو مدى مشاركة الآخرين في السرّاء والضرّاء ، وليست مشاركتهم بتلك التي تتوقف عند الجانب المادّي ، وإنما المشاركة بمعناها الإنساني الوجداني حيث يعيش الإنسان مشكلة أقرانه بمشاعره وتفكيره كما لو أنها مشاكله هو . إنّ هذا الصنف من البشر هو الذي يقوم على أكتافه بناء الحضارات ،

--> ( 1 ) كرسون ، اندريه ، المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ، ترجمة د . عبد الحليم محمود ، وأبو بكر زكرى ، القاهرة ، دار إحياء الكتب العربية ، سنة 1371 ه - 1952 م ، ص 28 .