أسعد السحمراني

167

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

الأمر يرقى بالإنسان فيصبح مقداما على فعل الخير والتضحية من أجل الواجب وفي سبيل اللّه تعالى ، وهذه هي فضيلة النجدة ، ومن « كانت النجدة طبعا له ، حدثت فيه عزّة ، ومن العزّة تحدث الأنفة من الاهتضام » « 1 » . إن المتصف بأخلاق سمتها النجدة يكون مقداما سخيا ، لا يقبل بذلّ ، ولا يهادن ظالما ، ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، ويكون صادق القول ، عفيف النفس ، شجاعا في كل أموره . وهناك أشخاص تعلّقوا بالشهوات ، ومالوا إلى الملذات ، لذلك تراهم يسلكون كل طريق من أجل الحصول عليها فيورثهم ذلك طبع الحيلة والكذب . والكذب رذيلة مفسدة لطباع الإنسان ، فالكذّاب لا يكون إلّا جاهلا لا يعرف حقيقة نفسه ، ولا يعلم ما فيه صلاح أمره ، ولا يدري قيمة الفضيلة . ويكثر الكذب عادة في المجتمعات التي يسودها الجور والاستبداد ، لأن الظالم يصبح له أتباع ، وأعوان مراؤون ، وحاشية تتصف بتمجيد المستبد الجائر ، ووصفه بما ليس فيه ، ومثل هؤلاء يفقدون عزّة النفس ويرضون بالإذلال والخضوع ، وهذا ما دفع علماء الأخلاق إلى ذمّ الكذب لما ينتجه من خلق بغيض مضرّ بالفرد وبالجماعة . وعلى العموم يجب أن نعلم بأنه « لا شيء أقبح من الكذب . . والكذب متولّد من الجور والجبن والجهل ، لأن الجبن يولّد مهانة النفس والكذّاب مهين النفس ، بعيد عن عزّتها المحمودة » « 2 » . إن أساس الالتزام بأخلاق الخير عند ابن حزم أن يجهد الإنسان لمعرفة نفسه حقّ المعرفة مكانة وقدرات وخصائص ، لأن معرفة الإنسان لنفسه تجعله متوازن السلوك ، طيّب السيرة ، مقبولا من الناس ، لأن معرفته نفسه تمنعه من التجاوز على الآخرين ، أو الإساءة لهم ، وتحمله على تقويم سلوكه ، وإصلاح عيوبه قبل أن ينصّب نفسه مرشدا للآخرين .

--> ( 1 ) ابن حزم ، م . س ، ص 55 . الاهتضام : الظلم والتعدّي . ( 2 ) ابن حزم ، م . س ، ص 61 .