أسعد السحمراني
157
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
فالقضية تبدأ علما ومعرفة ولكن « من عرف سيرة الخير وعلوّ مرتبته فهو لا محالة يختار لنفسه أفضل السير وأكرم الخيرات ، فلا يؤثر اللذة البهيمية ولا اللذات الخارجة عن نفسه ، فإنها عرضية كلها ومستحيلة ومنحلّة ، لكنه يختار لها أتمّ الخيرات وأعلاها وأعظمها وهو الخير الذي لها بالذات : أعني الذي ليس بخارج عنها » « 1 » . إن الخيرات التي تكون لذاتها هي تلك التي لا تخالطها أنانية أو فردية ، بل تحرّكها دائما روح الجماعة والنظرة الشاملة ، وذلك يتطلب وجود المحبة بين كل الناس حتى ينتفي كل شائن من الأفكار كالحسد ، والتباغض ، والتعالي والكبرياء ، والجشع . . . الخ . وهذه المحبة التي لا تقوم على غشّ وتمويه تدوم وتثبت مما يحوّلها إلى صداقة ، « والصداقة نوع من المحبة إلّا أنها أخصّ منها وهي المودة بعينها ، وليس يمكن أن تقع بين جماعة كثيرين كما تقع المحبة . فأما العشق فهو إفراط في المحبة ، وهو أخصّ من المودة ، وذلك أنه لا يمكن أن يقع إلّا بين اثنين فقط ، ولا يقع في النافع ولا في المركب من النافع وغيره ، وإنما يقع لمحبّ اللذة بإفراط ولمحب الخير بإفراط ، وأحدهما مذموم أعني اللذة ، والآخر محمود أعني الخير » « 2 » . يميّز مسكويه كما نلاحظ بين ثلاثة أنواع من العلاقات التي تربط الأشخاص ببعضهم هي : المحبة التي يجب أن تسود نظرة كل آدمي لآخر ، وتقوم على الاحترام ، وإرادة الخير للجميع . والصداقة وهي درجة أرقى يتوصّل إليها من ازدادت الروابط بينهم ، وتماثلت المفاهيم وتوحدت الأهداف والغايات ، وهذا النوع من العلاقات هو أفضلها وأرقاها ، خاصة إذا قام على المصارحة والصدق ، لأن « مماراة
--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 54 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 137 .