أسعد السحمراني
155
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
تحقيقها ، وإذا حصل قصور يكون نتيجة خطأ ، أو ضعف في الإمكانات ، أو سوء في الظروف المحيطة . وإما يكون منهج الإنسان الرذيلة وبالتالي كل أفعاله تكون منحطّة وفاسدة وإذا حصل منه عمل غير مضرّ فيكون بالعرض ، أو لغاية بعده غير شريفة ، ويكون القصد التمويه والتعمية . ومن الأمثلة على ترابط عناصر الفضائل وتشابكها تعريفه للشجاعة حيث يقول : « ليس تتمّ شرائط الشجاعة والعفّة إلّا للحكيم الذي يستعمل كل شيء في موضعه الخاص به ، وبقدر تقسيط العقل له ، فكل شجاع عفيف حكيم ، وكل حكيم شجاع عفيف » « 1 » . إن الإنسان نفسه يشكّل المنطلق الأساسي لممارسة أي نوع من أنواع الفضائل ، لأن القاعدة هي : « كل إناء ينضح بما فيه » . وكل إنسان لا تصدر عنه فضيلة ما باتجاه غيره إلّا إذا كان قد أشبع ذاته بها ، وطبّقها على نفسه قبل أن يطالب سواه بتطبيقها . ويعطي مسكويه المثال على ذلك من تعريفه للشخص الذي يستحق لقب « العادل » ، فيقول : « أما العادل بالحقيقة فهو الذي يعدّل قواه وأفعاله وأحواله كلها حتى لا يزيد بعضها على بعض ، ثم يروم ذلك فيما هو خارج عنه من المعاملات والكرامات ، ويقصد في جميع ذلك فضيلة العدالة نفسها لا غرضا آخر سواها » « 2 » . وكما سلف القول : فإن قيمة العمل الفاضل يكون بمقدار ما يحقّق هذا العمل من مصلحة للجماعة ، وبمقدار ما يعبّر عن روح الإيثار والتضحية عند فاعله . أما الذي ينفق مالا مثلا ويريد بذلك تحقيق شهوة أو مصلحة ، أو تأمين حماية أو استرضاء جهة ، أو تقربا من سلطان أو صاحب جاه ، فمثل هذا الإنسان وإن أنفق فلا نسمّي عمله سخاء ، وليس هو بسخي كريم ، وإنما يكون قد قام بعمل الأسخياء دون أن يكون ذلك صادرا عن قناعته واختياره لهذا المنهج دون سواه ، قاصدا بذلك الخير لذاته لأنه خير .
--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 110 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 112 .