أسعد السحمراني
122
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
من هنا كان الامتحان للشعوب على امتداد التاريخ متصلا دوما باختيار وفائهم بما بايعوا عليه اللّه تعالى ، وبما تبايعوا عليه ، وائتلفوا على أساس من قواعد الشريعة السمحاء . فالوفاء دليل إيمان والتزام وسبيل فوز ونجاح في الدنيا والآخرة ، وخيانة العهود والتنكّر لها سمة الجاحدين الساعين للهروب من أي التزام ، وسبيل الخسران المبين في الدنيا والآخرة . لقد وصف اللّه تعالى المؤمنين بقوله : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ « 1 » أما من ارتدوا عن إيمانهم وخالفوا مواثيقهم ، فحالهم حال الذين كفروا بما دعاهم اللّه تعالى إليه مع رسله وأنبيائه ، فقاتلوا الأنبياء وآذوهم فكان أن وقعت عليهم لعنة اللّه ، وحلّ عليهم غضبه ، فضربت عليهم الذّلّة والمسكنة ، والحالة نفسها كانت لمن خان وباع دينه بثمن بخس من أمثال يهوذا الإسخريوطي الذي قبض بعض دراهم الفضة كي يدلّ اليهود على مكان إقامة السيد المسيح عليه السّلام ، فكان جزاؤه أن شبّه لهم فقتلوه ظنا منهم أنه المسيح عليه السّلام فارتدت خيانته عليه بأمر اللّه تعالى ، ووقع في المكيدة التي شارك في نصبها لنبي اللّه تعالى عليه السّلام ، ولا بدّ أنه محاسب على ذلك في اليوم الآخر . أما من كرّمهم اللّه تعالى وصدقوا ما عاهدوا اللّه عليه فإنهم أوفياء ملتزمون أبدا بما بايعوا عليه وأمروا به . فهذا إسماعيل عليه السّلام يلتزم بما عاهد عليه اللّه تعالى راضيا بما يأمره به ، يأتيه والده إبراهيم عليه السّلام ليبلغه أنه أمر بذبحه فيقدم على الوفاء بالعهد وإتمامه ولو كانت النفس ثمنا له ، فيقول لأبيه بكل عزيمة : إفعل ما تؤمر . وكان بعد ذلك الفداء بالذبح العظيم . وبذلك كان صدق الوعد محمود ، والوفاء بالعهود من عناصر الخلق الحسن ، وكان صدق الوعد من خلق الأنبياء المرسلين ، ونقيض الوفاء الخلف وهو مذموم ممقوت ، وقد اتصف به المنافقون والفاسقون .
--> ( 1 ) سورة الرعد ، آية 20 .