أسعد السحمراني

108

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

لهم : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً « 1 » . إن قاعدة « التآخي » تقود إلى سيادة أخلاق الخير وسط الجماعة ، وتشجع الأفراد على التضحية ، وعلى أن يعمل كل واحد وفق قاعدة : إن كل ما يملكه هو من أجل الجماعة حتى لو تنازل أحيانا عن بعض ما هو خاص . وبناء على ذلك فإن الإسلام يمقت الأنانية ، ولا يقبل الإنسان الذي يحاول الاستئثار بكل شيء دون غيره ، لأن في مثل هذا السلوك هلاك الفرد والجماعة ، وفيه النتيجة السيّئة المؤدية إلى تشويه إنسانيته ، وإبعاد صفة الفضيلة عنه . إلى هؤلاء الأنانيين يأتي استفهام إنكاري في الآية الكريمة : قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً « 2 » . توجد في الإنسان نزعة طبيعية إلى الشهوة ، وتحقيق اللذة الحسّية ، وفيه أيضا قدرة عاقلة على ضبط هذه الطبيعة وقيادة النفس إلى السمو الروحي الذي يحقق الفضيلة . وإن متبعي الملذات الحسية يتصفون بالجشع بحيث لو ملكوا كل مستودعات الرزق وأسباب الرحمة لقالوا : هل من مزيد . وإذا طلب منهم أن يضحّوا بشيء مما يملكون أظهروا البخل الشديد ، وتفنّنوا في الحديث عن الفقر متناسين أن اللّه تعالى هو خير الرازقين ، وهو كافل عباده ومقسّم الرزق بينهم ، ومتغافلين عن أنه بعد هذه الحياة الدنيا حياة هي خير وأبقى لن يسعد فيها عبيد الشهوات . لقد جاء في الحديث الشريف : « عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمنكبي وقال : كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل » « 3 » .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية 103 . ( 2 ) سورة الإسراء ، آية 100 . ( 3 ) رواه البخاري .