أسعد السحمراني
104
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
لكي يكون له سلوك واحد ، ومنهاج خلقي واحد في كل الأحوال والمواقع ، فسلوكه ليس خاضعا لتأثير المصالح أو المكان ، أو لنوع الأشخاص الذين يتعامل معهم . إن الأخلاق الدينية « تستمد من ينبوعها قوة نافذة تلزم بها في العلن والخفاء ، وفي السرّاء والضرّاء ، لأن الرقيب عليها هو اللّه الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء » « 1 » . قد تحاول الفلسفات الوضعية الأخلاقية أن توقظ الضمير عند الإنسان ، وتوجّهه إلى ضبط حركاته وسلوكه ، وحضّه على سلوك طريق الخير والفضيلة . ولكن الأخلاق التي تستمد قيمها من الدين أكثر ضمانا في التطبيق ، لأنها تسير وعلى سلوك المرء فيها رقيب عليم لا يغيب عنه شيء هو اللّه تعالى ، والفرائض الدينية ، وما في التشريع الديني من حلال وحرام ومباح مكروه أو مستحب تشكّل هي الأخرى ضابطا هاما لأن أي انتهاك لها انتقاص من صحة الالتزام الإسلامي . والضمير نفسه عند المؤمن يكون أكثر شفافية ودقّة في الرقابة بحيث يحرص في أن لا يخرج في أية صغيرة أو كبيرة ، وبعد ذلك إذا كانت المعرفة ضرورية للسلوك الفاضل ، فإن الإسلام يحضّ التعقّل والتفكّر قبل الإقدام على أي عمل ، والمعرفة هنا تكون سليمة المنهج والمنطلق والأهداف . وعن أهمية العلم في السلوك الرشيد يقول محمد الغزالي : « السرّ في هذا الحكم أن عبادة الجهال - كصداقتهم - قليلة الجدوى ، وهم يضرون أنفسهم من حيث يريدون نفعها ، ويؤذون أصدقاءهم من حيث يبغون راحتهم . وجهلة العبّاد يستمسكون بالدين استمساكا شديدا ، ويتعصبون له تعصبا ظاهرا ، ولكنهم في ساعة رعونة وغباء يقفون منه الموقف الذي يلحق به الأذى والمضرّة ، ويجرّ عليه المتاعب الجمّة ، أما أولو العلم فإن بصيرتهم الذكيّة تحكم مسلكهم وتلهمهم الرشد ، فلو قلّ عملهم كثر ما يصحبه من سداد وبصر » « 2 » .
--> ( 1 ) الحوفي ، د . أحمد محمد ، م . س ، ص 49 . ( 2 ) الغزالي ، محمد ، م . س ، ص 221 .