حسناء ديالمة

71

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

عن بعضها البعض ، وجمعت مسائل كل علم على حدتها ، « وقد ميز كتاب المسلمين بين العلوم التي تتصل بالقرآن الكريم وبين العلوم التي أخذها العرب عن غيرهم من الأمم . ويطلق على الأولى العلوم النقلية أو الشرعية ، وعلى الثانية العلوم العقلية أو الحكمية ، ويطلق عليها أحيانا علوم العجم ، أو العلوم القديمة » « 1 » . وتشمل العلوم النقلية : التفسير ، والقراءات ، والحديث ، والفقه ، وعلم الكلام ، والنحو ، واللغة والبيان ، والأدب . وتشمل العلوم العقلية : الفلسفة ، والهندسة وعلم النجوم ، والطب ، والكيمياء . وفي هذا العصر « بدأت المذاهب تتحدّد ، وأصبح لكل إمام أصول وأساليب يجري عليها في الاستنباط . . . فظهور المذاهب الفقهية وتكوّنها وشمولها لأبواب الفقه والتأليف فيها واستقلالها ونحو ذلك كله ظاهرة من ظواهر العصر العباسي » « 2 » . ولذلك ذكر المؤرّخون أن التدوين والتأليف كانا من مميزات العصر العباسي في التشريع ، « فقد ظهرت حركة التدوين في هذا العصر في كل فروع العلم ومنها الفقه ؛ نعم كان في العصر الأمويّ نواة التدوين ، ولكنها نمت واتسعت في العصر العباسي » « 3 » . ولم يكن للمكتبات شأن كبير في العصر الأموي ، ولما نشطت حركة الترجمة والتأليف في العصر العباسي ، وتقدمت صناعة الورق ، كثرت المكتبات التي كانت تزخر بالكتب الدينية والعلمية والأدبية ، وصارت هذه المكتبات فيما بعد أهم مراكز الثقافة الإسلامية . وكذلك نرى للمساجد في هذا العصر دورا كبيرا في النهضة العلمية ؛ فلم تكن بيوتا للعبادة فحسب ، بل كانت أيضا معاهد علمية لدراسة القرآن والحديث والفقه واللغة ، والحافلة بكل أنواع المعرفة والتثقيف ، يقدم إليها الراغبون في العلم ، ويجتمعون في حلقات حول أستاذهم ، وتكبر الحلقة وتصغر تبعا لمكانة الأستاذ . ففي مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « كان الإمام جعفر الصادق يجلس ليعلم الناس ويثقفهم ويفقههم في أمور دينهم » « 4 » . وفي مسجد البصرة حلقات أخرى للدرس والشعر والأدب . . . وقد عملت هذه المجالس والحلقات على تنشيط الحركة العلمية والفكرية والثقافية الإسلامية . وسوف أتحدث إن شاء اللّه عن إسهامات الإمام الصادق في تنشيط هذه الحركة في الفصول الآتية بالتفصيل ، أسال اللّه تبارك وتعالى أن يعينني في ذلك .

--> ( 1 ) حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام ، ج 2 ، ص 323 . ( 2 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ص 173 ، ( بتصرف ) . ( 3 ) المصدر نفسه ص 171 . ( 4 ) محمد منير مرسي ، التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد ، مرجع سابق ، ص 189 .